تأمين استقلال القضاء واستقلال  المحاماة شرطان أساسيان لحماية حقوق الإنسان

إن وجود نظام عادل و منصف لإقامة العدالة و الحماية الفعالة لحقوق الإنسان يتوقف على استقلال مؤسسة الدفاع و سلطة القضاء و نزاهتهما بوصفهما جزءا لا يتجزأ من نظام العدالة . القضاء المستقل يستمد سلطته من اختصاصاته و يمارسها باستقلالية و تجرد و المحاماة الحرة و المستقلة جزء من المجتمع و دعامة للقضاء.

إن تأمين استقلال القضاء و نزاهته من خلال عدم تدخل السلطة التنفيذية في اختصاصه و وظيفته و عدم تعطيل أحكامه و إخضاع جهاز الضابطة القضائية لرقابته و كفالة الاحترام الصارم لسيادة القانون و تفعيل السلطة القضائية لجهاز المراقبة و التفتيش و التتبع ، كل ذلك يشكل عنصرا أساسيا لحماية حقوق الإنسان .

كما أن تأمين استقلال المحاماة و تدعيم حصانة الدفاع يعني ممارسة المحامين لرسالتهم في جو من الحرية و التحرر من أية سلطة إلا سلطة الضمير و القانون و أعراف المهنة و تقاليدها و المحاماة بذلك تتولى شرف الدفاع ضد الظلم و القمع و مؤازرة الحرية و الديمقراطية و العدالة الاجتماعية ، فتشارك القضاء في البحث عن الحقيقة و في إقرار العدالة و الإنصاف و في التأكيد على سيادة القانون .

و استقلال السلطة القضائية و نزاهتها هو حق من حقوق الإنسان و ليس امتيازا لها ذلك أن احترام حقوق الإنسان في مجتمع ما يتطلب وجود قانون و جهاز فعال لإقرار العدل و الحرية و لضمان التطبيق الفعلي لاستقلال و نزاهة القضاء و هو ما يستوجب من القضاء باعتباره مظهرا من مظاهر سيادة الدولة أن يعكس في ممارساته و قراراته سيادة القانون و الانضباط الصارم لمقتضياته تجسيدا للمفهوم الحقيقي للاستقلال .

و إذا كان أساس حرية الدفاع و حصانته هو استقلال المحاماة كشرط هام و حيوي لعمل المحامين و لابد منه لممارسة المحاماة ، فإن الحصانة لا تنشأ امتيازا للدفاع دون غيره من الناس أو رخصة للنيل من شأن القضاء و إنما الغايةأن يكون المحامي في جلسة الأحكام مطمئنا قويا متمتعا بكل الضمانات التشريعية و العملية وذات الصلة بالتقاليد أثناء  مزاولته لعمله في ظل القانون ،  فضلا عن أن حصانة الدفاع تنزع المشروعية عن أي تدخل من أية سلطة أو جهة كيفما كان نوعها أو شكلها – في صميم عمل الهيئات و عمل المحامين و كل ذلك من أجل أن يتمكن الدفاع من أداء رسالته و من الضمان الفعلي للحقوق الفردية و الجماعية و الحريات الأساسية للإنسان.

إنه يقع على عاتق القضاء واجب الدفاع عن استقلاليته و ممارسة السلط التي يستمدها من اختصاصاته باستقلالية و نزاهة ، كما أنه من واجب الدفاع أن يحرص على ممارسته لرسالته باستقلالية و تجرد  و حتى يساهما معا في إقامة نظام للعدالة قوامه العدل و الإنصاف و حماية الحقوق و الحريات تكريسا لدولة الحق والقانون .

وللمحاماة بالمغرب أن تفتخر بنضالاتها دفاعا عن الديمقراطية و حقوق الإنسان و من ذلك نضالها من أجل قضاء مستقل و نزيه و محاماة قوية حرة و مستقلة و الذي أفضى إلى حدث هام كان لها الفضل في المبادرة إليه و الدعوة له و العمل على تحقيقه إبان رئاسة النقيب محمد بن عبد الهادي القباب لجمعية هيئات المحامين بالمغرب – إنه    حدث الإعلان عن الميثاق الوطني لحقوق الإنسان شهر دجنبر من سنة 1990 و الذي أكد مسؤولية المحاماة و وفائها لهاته المسؤولية من خلال دعم كفاح الشعب المغربي و ترسيخ و حدته و تثمين نضالاته من أجل الإنسان و كرامته و حريته و تعميق وعي المواطن بحقوقه باعتبارها جزءا من ذاته و عنصرا حيويا و هاما من عناصر مسؤوليته و الحرص على أن يكون هذا الوعي عاما و شاملا حتى يخلق الإرادة الفاعلة من أجل حقوق الإنسان و لأن تتطور هاته الإرادة إلى أجهزة منظمة أكثر توسعا و أكثر تحركا في اتجاه استمرار المتابعة لكل الاختلالات و الانتهاكات التي تتعرض لها حقوق الإنسان.

لقد أكد الميثاق الوطني لحقوق الإنسان الذي اعتمدته و وقعته آنذاك جمعية هيئات المحامين بالمغرب بمعية أربعة جمعيات حقوقية على ضرورة الالتزام بالشرعية و سيادة القانون و استقلال القضاء و استقلال  المحاماة ضمانا لاحترام الحقوق و الحريات و تحقيقا لدولة القانون .

و المحاماة بذلك إنما تضطلع بدورها إلى جانب كل الحقوقيين الشرفاء في بلورة رأي عام أوسع يؤمن بالديمقراطية و يحرص على ترجمتها عبر كل الممارسات الحياتية وهو دور يدخل في صميم مسؤوليات الدفاع الذي يقع على عاتقه مقاومة كل مساس أو تطاول على الحقوق و الحريات ، فنضال المحامين يجب أن يقترن دائما و لزوما بالدفاع عن الإنسان و حقوقه و كرامته و حريته ..

القضاء المستقل و النزيه رقابة اجتماعية عليا لها صفة الإلزام و تعيد من نشز إلى الحق و تسهر على تطبيق القانون و المحاماة الحرة و المستقلة ضمانة لتأكيد سيادة القانون و لولا حرية الدفاع لضاعت الحقيقة بين الناس إذ لا تجد من يعبر عنها و متى ضاعت الحقيقة ضاعت العدالة التي هي أساس الحكم و بغيرها تسود الفوضى و لا يقوم نظام و المحامون هم أساس ذلك النظام و هم روح العدالة .

و إذا كانت الديمقراطية هي المناخ الطبيعي لإقرار حقوق الإنسان و أن الضمان لقيامها على أرض الواقع هو صياغة مجتمع يهمه العدل و سيادة القانون ، و أن العلاقة بين الديمقراطية و العدالة ثابتة ، فإن وجود قضاء يمارس السلط التي تخولها له اختصاصاته باستقلال و نزاهة و دفاع قوي يمارس رسالته بحرية و تجرد يعد علامة من علامات الديمقراطية و مظهر من مظاهر حقوق الإنسان الأساسية و من عوامل دعم الاستقرار التي يجب الحرص على ضمانها و تأمينها  و العمل في اتجاه تعزيز الشراكة الفاعلة بين سلطة القضاء و مؤسسة الدفاع  و حتى يكون حكم القانون أساس الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان  .

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.