رماد البيضاء

19 أكتوبر 2013 - 19:19

كتب الحسن بن محمد الوزان (ليون الإفريقي) في القرن السادس عشر واصفا «آنفا» التي كانت قد تعرضت قبل عشرات السنين من مولده للدمار، أنها كانت مدينة مزدهرة وكان أهلها مشهورين بأناقتهم وحسن هندامهم، و»لكن سببين اثنين عملا على تعاسة السكان ودمارهم». وأحد السببين، حسب هذا المؤرخ والجغرافي الشهير، أنهم «أرادوا العيش أحرارا دون أن تتوفر لهم الوسائل اللازمة لذلك». فهل هذا ما حدث لسكان البيضاء في القرن العشرين؟ هل سبب تعاستهم حاليا يكمن في كونهم أظهروا في الستينيات والسبعينيات ميلهم إلى التحرر الفكري وظهرت فيهم إشارات التطلع نحو تحقيق ذواتهم كأفراد كاملي الفردانية، وهذا شرط أساسي لدخول رحاب الحداثة؟

أميل كثيرا إلى الإجابة بـ: نعم. فأنا أنتمي إلى ذلك الجيل البيضاوي الذي فتح عينيه بهذه المدينة وعاش مرحلة ما أسميه «ترييف الدار البيضاء» والتي انطلقت في تقديري بشكل قوي ومنظم بعد أحداث يونيو 1981.. تلك الأحداث التي شكلت الصرخة الأخيرة للبيضاء كانت تحس بأن شيئا ما يدبر لها في الخفاء للتخلص من تطلعها إلى أن تصبح «مدينة» بكل ما يحمله ويحتمله هذا المفهوم من معان.

فالمدينة كانت دوما في تاريخ البشرية مصدر التحديث والتقدم وقاطرتهما. قد تأتي الثورة العنيفة من البادية، ولكن التحديث الحقيقي ينبثق دوما من المدن التي اكتملت أركان تمدنها، مثل مدن فلورنسا، التي قدحت شرارة النهضة الأوروبية، أو باريس أو لندن.. ولِمَ لا القاهرة، في وقت من الأوقات قبل أن يزحف عليها الترييف بدورها.

كانت الدار البيضاء، رغم القمع الشديد الذي كانت البلاد برمتها تئن من قبضته الحديدية، طيلة عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مدينة واعدة.. مدينة الإبداع المغربي الأصيل والثوري في الوقت ذاته مع ناس الغيوان والمشاهب.. مدينة الأدب المغربي الذي خلع عنه جلباب الشرق مع أحمد بوزفور، ومحمد زفزاف وإدريس الخوري.. وكانت فوق هذا وذاك، مدينة الاختلاف والتعدد.. مدينة تحررت من انتمائها الجغرافي الضيق (منطقة الشاوية) لتصبح فاسية وسوسية ومراكشية وشرقية وشمالية وصحراوية، وفرنسية وإيطالية وإسبانية..

ولكن تمت محاصرة كل هذا المد الإبداعي التحرري شيئا فشيئا بمدن الصفيح وأحزمة الفقر، وتحولت المدينة، التي كانت حاضنة للإبداعات الطلائعية في الهندسة المعمارية، إلى متاهة إسمنتية لا روح فيها ولا هوية لها. وتحول البيضاوي، أو بالأحرى المقيم في البيضاء، لأن الجميع فقد الإحساس بالانتماء إلى هذا التجمع العشوائي للمساكن، إلى كائن تائه في متاهة أكثر تعقيدا من متاهة ديدالوس.

وكما يحدث في أفلام الرعب، لم يعد أصحاب مخطط الترييف هذا قادرين على التحكم في المخلوق الذي صنعوا بأيديهم. إذ أنتجت أحزمة الفقر، التي غضوا الطرف عنها، بل وشجعوها، التطرف والإرهاب وكل أشكال العنف التي صارت تؤثث شوارع هذه المدينة يوميا. 

إن الدار البيضاء لا تحتاج إلى اجتماعات مسؤولين فاشلين لا يتقنون سوى الصراخ أمام الكاميرات، والحسابات الصغيرة في المكاتب المغلقة، ولا تعاني من نزلة «سوء تسيير» خفيفة يمكن علاجها بتغيير شركات النظافة والرفع من عدد حاويات وشاحنات جمع النفايات، أو تبليط أرصفة الشوارع الأمامية، بل إن هذه المدينة، التي تحتضر ويكاد قلبها يتوقف، تحتاج إلى جبر ضرر جماعي حقيقي، حتى تستعيد نبضها وروحها، ويتم إنقاذ سكانها من تيههم ليكون بمقدورهم جمع رمادهم من أحيائها على حد تعبير الشاعر المغربي الجميل عبدالله راجع.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي