سكان دونباس في شرق أوكرانيا يتحضرون للأسوأ

05 أبريل 2022 - 02:00

تخلو دونباس التي هي راهنا تحت سيطرة أوكرانية شيئا فشيئا من سكانها الذين ركبوا القطار بالمئات في نهاية الأسبوع من محطة كراماتورسك الصغيرة هربا من الزحف الروسي على منطقتهم.

يروي ناصر وهو متطوع في المجال الإنساني يساهم في تيسير عمليات الإجلاء، “الحال كذلك منذ نهاية الأسبوع مع نحو ألفي شخص في اليوم يتجهون غربا نحو لفيف ومدن أخرى. وكان قطاران ينطلقان في العادة من المحطة يوميا، لكن بات عدد القطارات اليوم أربعة”.

ويقر أندري الذي تنتظر زوجته مع الطفلين وصول القطار وقد احتموا مع حقائبهم من المطر تحت سقف كشك لبيع البطاطا المقلية “الوضع سيء. وقد غادر كثيرون والرجال يبقون هنا في حين تذهب عائلاتهم”.

لا تخفي صوفيا حزنها وتقول، “أرسل كغيري أطفالي إلى الغرب”… “حيث لا منشآت عسكرية”، على ما يوضح أندري.

منذ أعلنت روسيا نيتها “تركيز الجهود على تحرير دونباس”، تعيش هذه المنطقة الغنية بالمناجم الواقعة في شرق أوكرانيا حالة من الذعر خشية استهدافها بهجوم عسكري واسع النطاق.

وتتوقع السلطات الأوكرانية أن يتفاقم الوضع في المنطقة، في حين تحاول القوات الروسية التضييق على الجيش الأوكراني المتمركز منذ 2014 على خط قتال يمتد من دونيتسك جنوبا وصولا إلى لوغانسك شرقا، عاصمتا “جمهوريتين” انفصاليتين مواليتين لروسيا تحملان الاسمين عينيهما، وبات يشمل إزيوم في شمال غرب البلد التي سقطت قبل فترة قصيرة بين أيدي الروس.

وتقع كراماتورسك التي باتت بحكم واقع الحال منذ أكتوبر 2014 عاصمة للجزء الذي ما زال تحت سيطرة أوكرانية، في قلب هذه المنطقة الساخنة ما يعني أنها ستكون محاصرة.

تكشف فيكتوريا وهي طبيبة شابة تعمل في المجال الإنساني “بحسب المعلومات الأخيرة، تدفع روسيا جنودها شرقا وسنحاصر من كل الجهات عما قريب”.

وتردف “نأمل أن يصمد جيشنا. فقد نشهد المصير عينه كماريوبول” في إشارة إلى المدينة المطلة على بحر آزوف جنوبا التي عاث فيها الروس دمارا. وهي تقر “لم نشهد في الواقع حربا فعلية بعد في كراماتورسك”.

كانت كراماتورسك الواقعة في حوض الدون تضم قبل الحرب أكثر من 150 ألف نسمة. وهي مدينة كبيرة نسبيا ولا تظهر عليها كثيرا آثار القصف الذي استهدف المطار.

والوضع هادئ راهنا والشوارع خالية من المارة ويخيم عليها هدوء كذاك الذي يسبق العاصفة.

ويحذر أندري من أن “القصف قد يبدأ في أي وقت”.

وتؤكد سفيتلانا التي اصطحبت صديقتها إلى محطة القطار “الشائعات تنذر بحدوث أمر رهيب هنا”. وقد غادر أطفال سفيتلانا، في حين بقيت هي هنا مع زوجها للاعتناء بالجدة.

تصطف العائلات مع الأطفال الصغار على الجهة اليمنى من رصيف القطار، في حين يقف الكبار في السن والنساء الوحيدات على الجهة اليسرى، ومن بين هؤلاء امرأة أخرى اسمها سفيتلانا تحمل حقيبة ظهر سوداء مليئة بالمقتنيات في يد وتمسك كلبتها في اليد الأخرى.

وحتى الكلبة ميكا ترتجف من “التوتر، فهي فهمت أن أمرا ما يحدث”، على حد قول صاحبتها.

وتكشف سفيتلانا “دبر لي أصدقاء شقة في ريفني (على بعد أكثر من 300 كيلومتر من غرب كييف). وقد استولى علينا الخوف فعلا. وانتظرنا حتى اللحظة الأخيرة لكن حان وقت المغادرة”.

يضم شرطي بزي أسود يحمل سلاحا ابنته بين ذراعيه. ويقول “هم فلذات الكبد”.

يجلس أفراد عائلة ريبالكو على مقعد ويتبادلون أطراف الحديث. ويأكل الابن الأصغر الشوكولا، في حين تلعب شقيقته الكبرى. وينام قط سيامي في علبة.

وتقول الجد ة تامارا “أردنا البقاء حتى اللحظة الأخيرة لكن بقاء الأطفال محفوف بالمخاطر. ويقال إن جبهة القتال ستنتقل إلى هنا. ويصعب علي أن أصدق الأمر. وسيبقى زوجي هنا، فهو شديد التعلق بمنزله وحديقته والكلاب”.

العمليات مضبوطة جدا ويركب السكان القطار بالدور وسط أجواء من التوتر والحزن والاستسلام.

يصل القطار المؤلف من 10 عربات زرقاء باتجاه خميلنيتسكي في رحلة تمتد على 800 كيلومتر غربا وتستغرق 14 ساعة. ويتكدس الركاب في العربات بمساعدة المتطوعين. ويخبر المشرف على القطار سيرغي بوباتيينكو “في الأحوال العادية، نضع أربعة أشخاص في كل قسم، لكن الآن نضع ثمانية، أي نحو 700 مسافر في القطار”. وهو يعتذر عن لباسه غير الرسمي إذ لم يتسن له أن يعتني بمظهره من “كثرة العمل”.

ويركب الجميع القطار في خلال بضع دقائق بعد عناق خاطف من هنا وقبلة سريعة من هناك ويد طفل على الزجاج لتوديع ذويه.

ويقول إيفان زوج تامارا “لماذا أبقى هنا؟ مدينتي ستكون بحاجة إلي من دون شك. وأنا قد ولدت هنا وأمضيت حياتي هنا. سوف ننتظر أن تمر هذه الفترة الصعبة”.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.