فرح ياسين عدنان بالقصّ الخفيف

07 نوفمبر 2013 - 20:19

 

1 ـ يحتمل نشر مختارات لكاتب ما، أحد تفسيرين: إما أنه يريد تقديم نماذج منتقاة من أعماله، تعرّف به وتزكّيه زيادة، خاصة عند غير العارفين به، قصدنا بعمله. وإما أنه وصل إلى درجة من تراكم الكتابة، والحذق في مُنجزه حدّا يبيح له أن يظهر أمام القراء، وهم أصناف ومستويات، في مقام القدوة والمعلم، بنصوص أضحت علامة في فنها، ولا جدال حول موقعها في تاريخ الأدب، لنقل أدب مرحلة بعينها في بيئة بالذات. ويحتمل نشر المختارات، أيضا، وليس ذا من باب التمحّل أبدا، تفسيرين آخرين: أولهما معلوم، نلحقه بالسابق، نزيد عليه ثقة بالنفس، بالعمل، حدا يجازف منتجه بإعطاء المثال بالنموذج أو العكس. وثانيهما، في حال أقدمت جهة ما، مؤسسة أدبية أو دار نشر، بانتخاب وتنظيم مادة المختارات، وفق معايير تناسب سيرة النصوص ومسار الكاتب في بيئة أدبية محددة، وبالطبع، فهذا هو المعوّل عليه، الأكثر مصداقية، وإن كان صعب المنال، لا يتأتى إلا حين يضحى عمل كاتب مندرجا في تاريخ الأدب بلا منازع، أي كلاسيكيا، وتتوفر المؤسسة المؤهلة، بنيات وكفاءات، تضع معايير صارمة، أوجبُها علوّ الكعب وطولُ الباع في الباب.

2ـ مناسبة هذه الفذلكة صدور مختارات قصصية للأديب ياسين عدنان (بما أنه يجمع بين الحُسنيين: الشعر والنثر) عنوانها: «فرح البنات بالمطر الخفيف» (دار العين، القاهرة، 2013)، وإنه للطيفٌ وطريفٌ في آن أن تتولى دار نشر مشرقية إصدار مختارات لقلم من المغرب، قبل أن تفعل ذلك دار مغربية أو تجرؤ، خارج دائرة الربح والخسارة، ولوجه الأدب خالصا، تشجعه فيما تُرسي نفسها مؤسسة، أكبر من دار تصدر الكتب، وكيفما اتفق. ونحن سنصالح بين التفسيرات والتأويلات فنعتبر أن «دار العين» والمؤلف توافقا على هذا الإصدار، وخاطرا به، من أجل كسب رهان الأدب، وليس السوق بالدرجة الأولى، وحسنا.

3ـ الدليل، أننا نحن معشر القراء، أغلبنا، سننفتح على أفق من الكتابة لم نتعرف عليه كفاية، أو لم نتوقعه من صاحبه. هذا الذي ألفنا أن نسمع عنه أو نقرأ له في الغالب شعرا، وربما تروج كتابته في هذا التعبير، لأمر ما، أكثر من تعبير ثان، ولا خلاف حول إمكانية التعدد. وهذه هي المخاطرة الأولى، نعتنقها مباشرة في مدخل القراءة، ونحن نخوضها وحدنا، أي بغير دليل سير كما تقتضي منهجية «المختارات» التي تتطلب تعيين مصادر النصوص، كل نص على حدة، في الكتاب أو المجموعة التي انتخب منها، مع ضبط التواريخ والطبعات، الخ..صحيح أن الورد فوّاح، إنما هو في باقة منسقة أجمل. ونخاطر كذلك إذ نضطرب في التلقي لا منجاة لنا من أصداء وتبعات مقروء سابق للمؤلف، هي ما يوجهنا، وبها نقرأ أكثر من النص المتاح أمامنا. وتأتي المخاطرة الثالثة في كوننا مدعوين لقراءة ضِعف، بحكم أن النصوص المختارة تتطلب بروتوكولا خاصا بتلقيها، وإلا أي فائدة، أو خسر رهان الكاتب.

4 ـ والحاصل، من مجموع (18) قصة، نصا بالأحرى لعلة ما، يمكننا أن نتبين حقا عوالم وأزمنة وفضاءات وشخصيات وشواغل وأحلامَ وشجونَ هذا الكاتب، وبالطبع وهو الأهم، نستشف لغته وننكه أسلوبه، ونتجلى، نتملى، بلاغته من الوصف والتصاوير بين التصريح والتلميح. وهي تكفي للغرض لمن تمهّل، وأقبل عليها بالفضول المحب، أصاب أو نَصَب.

5ـ الحاصل كذلك، أن المختارات، إن افترضنا، وهو الأرجح، ملاءمتها لنزعات المؤلف وفق التعبير القصصي، أفلحت في تقديم المبتغى منها، وإقناعنا، على نحو معين، بموقعه فيه، وقياسا بالأرض التي يحرثها أبناء جيله، وفيه عدد لا بأس به من الفالحين يغطي على مثالب الخاسرين، كثر من أسف، زبدهم طفحَ حتى لا مزيد، إنما العبرة بما يمكث في أرض الأدب. منها قصص في هذه الأضمومة، وأخرى قد تفيض عن الحاجة، تجمع بينها خصائص، وتنفرد حينا آخر بما به تتميز وتتوحد، وكذلك شأن القص السردُ فيه لعبةٌ وفنٌ وتمرينٌ مستمر على الخداع، وعند الكتاب الشباب المرفّهين بالموهبة نزوعٌ دائم للتجريب المثمر.

6ـ أول ما ينتظم من هذه الخصائص تَخفُّفُ ياسين عدنان في قصصه من الضوابط الصارمة، لنقل المقعِّدة للقصة القصيرة، واجتراحُه غزوا أو خرقا متواصلا لأسوارها المنيعة، وهي بالفعل كذلك لمن لا يعلمون، أو كأنهم بها يستهينون، فتراه من البدء يكسر حدة موضوعيتها ذاهبا إلى تغليب الذات/ الذاتي، بإزاحته لدور السارد باحتلال موقعه،، وتنحية ضمير الغائب الأغلب، يعوّضهما بضمير المخاطب (ينضوي داخله ض المتكلم) ما يؤهله لاعتماد المناجاة أداة للسرد، ويصبح هذا مجال البوح وكشف الظنون، بين شريط التذكر والتأسيس والاستعادة بالتداعيات، ذهابا وإيابا بين زمنين، لصنع البؤرة المركزية، تقبع داخلها، وترتسم على حوافها الحالة(التيمة) القصصية، هي شعورية،عاطفية بالدرجة الأولى، لا حدَثية وصفية،ككل قصة موضوعية، تأكيدا للخرق. نمثل لهذا بقصتي: «ثرثرة بالأبيض فقط» و»جرح الستارة».

شارك المقال

شارك برأيك
التالي