الورقة الأخلاقية والدينية بين الإسلاميين وخصومهم!  

29 أبريل 2022 - 18:58

هناكَ من خُصوم الإسلاميين مَن يَعتقد أن قوّتَهم و”مشروعيَّتَهم” نابعةٌ من تبنّيهم لخطاب فيه قدرٌ كبيرٌ من المفردات الأخلاقية والدينية، وليست نابعةً من امتلاكهم لتصوّرٍ عميقٍ أو قراءةٍ دقيقةٍ للواقع…

وبناءً على هذه “الفَرَضية”، يرونَ أن السبيلَ لإضعافهم أو لمنافستهم، يتحقّق عبْر تبني خيارين اثنين على الأقل:

الأول: تبني خطابٍ أخلاقي ولكن بمرجعيةٍ مُفارِقة لمرجعية الإسلاميين.

الثاني: تبني قضايا فكرية وحقوقية وقِيمية -باسم الحريات الفردية- مناقضة للخطاب الأخلاقي الذي يتبناه الإسلاميون.

وغالبا ما يختار خصومهم الخيار الثاني؛

والمشترك بين الخيارين هو “استعمال الورقة الأخلاقية لمواجهة الإسلاميين”.

تُكرّس هذه الفئة من خصوم الإسلاميين الاعتقاد بأن الأخلاق والقيم الأخلاقية “علامة تجارية” خاصة بالإسلاميين!

وهذا يُكذبه الواقع! فليست الأخلاقُ في مفهومها الشامل مرتبطة بالضرورة بدِينٍ معيّن أو بحركات أو فئات بعينها؛ فقد نجد في عالمنا المعاصر من يدافع عن الأخلاق والقيم الأخلاقية انطلاقا من مرجعية غير مرتبطة بالدين…

وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم النجاشي ملك الحبشة بأنه “ملكٌ لا يُظلم عنده أحد” رغم أنه لم يكن على دين الإسلام.

قالت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها: “لمَّا ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفُتِنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء، والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرَجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أرسالاً [أي جماعات] حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلماً”. رواه البيهقي.

وذَكَرَ الرسول الكريم أيضا أنه شهد حِلفا في الجاهلية لو دُعيَ به في الإسلام لأجاب؛ وهو حلف الفضول الذي من أبرز بنوده نصرة المظلوم… وفيه قال صلى الله عليه وسلم: “لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحبّ أن لي به حُمر النعم”. رواه أحمد.

وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب:

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا          ألا يقيم ببطن مكة ظالـــم

أمر عليه تعاقدوا وتواثقــوا          فالجارُ والمُعترّ فيهم سالم

و”المعتر” هو الزائر.

وهناكَ أيضا من المفكرين والفلاسفة المعاصرين من يدافعون عن القيم الأخلاقية رغم وقوفهم على “مرجعية إلحادية” أو أرضية أخرى غير الأرضية الدينية!، والذين يرون أن أيَّ تمرد على القيم الأخلاقية هو تمرّد على جوهرِ الإنسان وعلى المشترك الإنساني!

ولذلك يُخطئ بعضُ الإسلاميين عندما يَعتقدون أن الأخلاق والقيم الأخلاقية لا توجد خارج منظومتهم الفكرية، كما يُخطئ بعضُ خصومهم عندما يظنون أن مواجهتهم تمرّ عَبر هدم مرتكزاتهم الأخلاقية.

ومن ناحية ثانية، قد يتوهّمُ البعضُ أيضا أن التديّنَ في المجتمعات العربية والإسلامية مرتبطٌ بالضرورة بالإسلاميين والحركات الإسلامية؛ بمعنى أنه إذا تراجع حضورُ هذه الحركات داخل المجتمع؛ ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا…، تراجعَ التدينُ ومظاهرُه داخل هذا المجتمع!

وهذه مغالطة كبيرة؛ رُبّما كرّستها بعضُ الحركات عندما قدّمت نفسها للناس باعتبارها النموذجَ الأقربَ (بل حتى المتماهي عند البعض) إلى الإسلام.

والغريب أن هذه المغالطةَ يُعيدُ إنتاجَها خصومُ (وأعداء) هذه الحركات، عندما يربطون التدينَ داخل المجتمع بالتراجعات التي تعرفها الحركات الإسلامية خاصة في المجال السياسي والاجتماعي…؛ فيتم النظر إلى بعض مظاهر التدين داخل المجتمع وكأنها “ماركة مسجلة” من طرف هذه الحركات!

الحركاتُ الإسلامية تعبيرٌ من التعبيرات وقراءةٌ من القراءات للإسلام؛ والتدين مُتجذّرٌ داخل المجتمع قبل ظهور هذه الحركات، وهو أعمق من أن يُختزل في عملها واجتهاداتها.

وعندما نُكرّس -فكريا ومنهجيا- وَهْمَ التماهي (المقصود وغير المقصود) بين التدين والحركات الإسلامية، فإننا نَحرمُ أنفسنا من رؤية أشكال ومظاهر أخرى من التدّين المجتمعي قد تكون أقرب إلى روح الإسلام وبساطته..والله أعلم.

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.