محاسبة رؤوس «المخابرات» في البرلمان

10/11/2013 - 16:26
محاسبة رؤوس «المخابرات» في البرلمان

لأول مرة جاء رؤساء الأجهزة الثلاثة المكلفة بالاستخبارات الداخلية والخارجية والعسكرية إلى البرلمان لمواجهة اتهامات ثقيلة موجهة إليها من قبل الصحافة والبرلمان بأنها آذان كبيرة تتجسس على مكالمات المواطنين الهاتفية وعلى رسائلهم الإلكترونية، في خرق واضح لسرية المراسلات وخصوصيات الأفراد. الاتهامات الموجهة إلى الأجهزة السرية في المملكة لم تقتصر فقط على حكايات التنصت على الهواتف، والميزانيات الضخمة المرصودة لاعتراض ملايين المكالمات، بل تناولت كذلك شبهات استعمال التعذيب والوسائل غير القانونية في التحقيق من أجل انتزاع الاعترافات، والتعاون مع أجهزة أخرى في الداخل والخارج لا تحترم حقوق الإنسان…

ماذا قال الجواسيس الثلاثة الكبار في البلاد لممثلي الأمة في البرلمان؟ «مؤسساتنا تعمل في ظل القانون، ثم إن أجهزتنا تتولى رصد أحاديث شبه يومية على الهاتف والنيت لمجموعات إرهابية في الشرق الأوسط وأفغانستان وأماكن أخرى في جنوب آسيا. أما بخصوص مكالمات مواطنينا أو قراءة الرسائل الإلكترونية للأغلبية الساحقة من المواطنين، فهذا أمر غير قانوني ونحن لا نقوم به».

لاحظوا أن رؤساء المخابرات وإن كان الظهور العلني أمام الكاميرات أحرجهم، وهي سابقة من نوعها، فإن أجوبتهم كانت «ذكية»، وأسلوبهم تميز بالكثير من الاحتيال، فهم يقولون: «إننا لا نقضي وقتنا كله في التنصت على هواتف أغلبية مواطنينا»، وهذه حقيقة، ولا أحد قال لهم بأنهم يقضون 24 ساعة على 24 ساعة في التنصت على مكالمات هاتفية لـ99% من المواطنين داخل المملكة بمعنى أن قضاءهم ربع الوقت في التجسس على ٪30 من المواطنين أمر لا ضرر فيه!. إنهم لا يكذبون مباشرة لكنهم لا يقولون الحقيقة، لأنه، كما يقول الساخر كولوش: «لا يمكن أن نقول كل الحقيقة في التلفزة لأن هناك جمهورا كبيرا يتابع الشاشة» (on ne peut pas dire toute la vérité à la télé car il y a trop de monde qui regarde).

ماذا قالوا أيضا؟ استغلوا دخولهم إلى البرلمان ليمرروا رسائلهم. قالوا: «إننا نحمي الديمقراطية وأمن البلاد، وإن التسريبات التي حصلت مؤخرا حول عملنا قد أضرت بنا، وإن القاعدة وفروعها حول العالم مسرورة بهذه الفضائح، وإن أجهزتكم السرية أبطلت مفعول 37 عملية إرهابية منذ 2005، رغم أن ميزانيتها ضعيفة، فهي لا تتجاوز 6% من ميزانية الدفاع».

البرلمانيون، في الأغلبية والمعارضة، لم يوقروا «الرؤوس» الثلاثة، وطرحوا أسئلة بعضها كان محرجا جدا حول التعاون مع المخابرات الأمريكية، وحقيقة تمويل هذه الأخيرة لبرامج تنصت عالمية على مكالمات البشر، لكن رجال المخابرات لم يحتجوا، ولم يغضبوا، علنا على الأقل، ولا قطعت الحكومة الإرسال عن التلفزة عندما كانت جلسة المحاسبة تنقل للعموم. كل شيء مر في سلاسة، حيث ذكر ممثلو الأمة رؤوس العمل الاستخباراتي بأن وظيفتهم حيوية نعم، مهمة نعم، لكنها يجب أن تتم داخل القانون لا خارجه، وأن حرية المواطن لا تقل أهمية عن أمنه، وأن سلامته الجسدية لا تقل عن حرمة خصوصياته، وأن دافع الضرائب لن يسكت عن أي تجاوز للقانون…

آه، نسيت أن أذكر لكم أن هذه الوقائع جرت أول أمس في مجلس العموم البريطاني وليس في مكان آخر.

 

شارك المقال