الدارجة في التواصل نعم.. في التعليم لا!

29 نوفمبر 2013 - 14:15

بقلم محمد العربي المساري 

 

 

بلا مقدمات، سأتطرق فورا إلى التباس يكتنف موضوع لغة الإعلام منذ البداية. هناك مدافعون عن استعمال الدارجة، يتصورون أنهم بصدد اكتشاف أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، حينما يسجلون أن الدارجة موجودة، وأنها تشغل الحيز الذي يلائمها. وهناك من جانب آخر من يشتكون من أضرار استعمال الدارجة، ويتجاهلون أن الشمس والقمر مثل الليل والنهار، ظواهر تجري كل منها إلى مستقر لها.

 

بين الدارجة والكلام

وما أريد أن أقوله هو أن الفصحى لها مكانها، والدارجة لها مكانها. وما الدارجة إلا عربية يتم فيها التساهل مع القواعد، نظرا للسرعة، ونظرا لبساطة أوجه الاستعمال. ولهذا يدرج الناس على التعامل بها، فيتغاضون عن الضبط، ويجنحون إلى العبارات التقريبية بلا التزام مدقق بالقواعد، أثناء الكلام المرسل اليومي، ويتواطأون على اعتماد التخمين، قصد التواصل بفعالية وسرعة. ولا يكون ذلك جهلا بقواعد اللغة، ولا تمردا عليها بل أخذا بالنجاعة، حيث لا يكون هناك وقت للوقوف عند النقطة والفاصلة. فالدارجة إذن مشتقة من الفصحى، وهي مفتوحة على ما يجلبه الارتجال. 

ويبقى قبل ذلك وفوق ذلك أن الكلام، هو اللفظ المركب المفيد، وأن «الهدرة»  محاكاة للكلام،  يجب بدورها أن تؤدي وظيفة التعبير بلفظ مركب مفيد. ولكن الكلام كلام و»الهدرة هدرة». ولا بد لهذه أن تقتدي بالأولى في القواعد و المرجعية، لأنها تعيش في ظلها. وإلا ضاعت المعاني وساد سوء التفاهم، وعسر التواصل بين الأفراد والجماعات، إذا ما وقع التخلي عن الضبط، وهنا تتفوق الفصحى.  

ومعلوم أن الدارجة المشتقة من الفصحى لا تقتصر على التعبير عن الحاجات البسيطة العابرة، بل إن لها مكانا في الإبداع الفني مثل المسرح والسينما والأغنية. وقد دأب المغاربة على تطويع لغتهم اليومية للتعبير عن الحاجات العابرة وكذلك عن حاجات راقية. وفي كل الحالات فإنهم لا يستعملون إلا اللغة العربية بالذات، وليس مثل المسيو جوردان الذي أدرك بعد شرح، أنه كان يتحدث نثرا دون أن يدري.

 

الإعلامي بين البيان والإتقان

في ظل كل هذا، فإن جوهر مهمة الإعلامي، هو أن يعلم (بضم الياء). أي أن يبلغ رسائل تتضمن أخبارا وأفكارا. وتحذوه في أداء وظيفته، ضرورتان. الأولى هي أن يبلغ تلك الرسائل، فيلزمه إذن شرط الوضوح،  واعتماد رموز وقواعد متواطأ عليها فيما بين الأفراد والجماعات. والضرورة الثانية هي أن يكون للعبارات التي يستعملها الإعلامي في تبليغ رسالته، والأساليب التي يتبعها، مدلول متعارف عليه، لكي لا يحدث التباس عند تداول الألفاظ والتراكيب. 

وبعد ذلك فالإعلامي مطالب بأن يوصل رسائله إلى أوسع قاعدة ممكنة، وهذا ما قصدته في الخلاصة التي بينت بها ما أريد أن أطرحه في هذه الورقة. فقد قلت إن الإعلامي ملزم بطاعة ضرورتين. ضرورة البيان، وضرورة الإتقان. أي أن يوصل رسائل وأن يصنع ذلك بحرفية تطيع قواعد الصنعة.

وصدر مؤخرا لرجل خبر الإعلام بمختلف أجناسه ومجالاته، طيلة ما يزيد على ستين عاما، هو ذ. عبد الله شقرون، كتاب بعنوان «أدب وفن من المغرب»، تطالعنا في فصله الأول نبذة مفيدة عن الفصحى والدارجة. وهذا يدل على أن الإشكاليات التي تطرحها هذه الثنائية ( الفصحى والدارجة)، هي موضوع تأمل من لدن المشتغلين بصناعة الإعلام.  وقد سبق للأستاذ شقرون أن تعرض للموضوع ذاته في كتابه « سنوات في كتابة المسرحيات والتمثيليات» (ص 23). وأيضا في كتابه «في الثقافة المسرحية» (ص 161). 

وكذلك صنع مصطفى بغداد في كتابه الجامع بعنوان «في المسرح المغربي قبل الاستقلال»، وذلك في معرض التنقيب عن مراحل تطور الكتابة الفنية في المغرب. وأنقلكم إلى هذا الأفق لأن الدارجة تفرض نفسها في مختلف التعبيرات التي تقدم للجمهور والمشروطة بمراعاة مقتضيات التواصل مع هذا الجمهور. وقد أورد ذ. بغداد في كتابه المشار إليه (ص 241/242) فصلا من صنف النقد الفني كتبه عبد الكبير الفاسي، (ولعله عبد الكبير بن عبد الحفيظ) حلل فيه مسرحية «الأوصياء» للشاعر م. القري. وانتقد الفاسي مخالفة القري للواقعية الفنية، حينما جعل اليهودي والبربري، وهما من شخصيات المسرحية، يتكلمان بالعربية الفصحى. وهذا المقال الذي أشار إليه بغداد منشور على طول وعرض الصفحة الأولى بكاملها من جريدة السعادة، (العدد 4085 بتاريخ 20 فبراير، 1934، وليس 30 فبراير كما ورد في الكتاب).

 ويخبر ع.ل. شقرون بأنه كتب ما يزيد على خمسمائة عمل درامي، تؤلف آلاف الصفحات، لا يقل ما كتب منها بالدارجة عن الثلثين. ويذكر من جهة أخرى أن إنتاجه هذا لم يكن بدعة، بل كان مسبوقا بما تضمنته سرابات الملحون، وبراويل طرب الآلة، كما أنه كان رديفا لما أبدعه مؤلفو الأغنية المغربية العصرية. 

وبسبب شيوع الإذاعة ثم التلفزيون، فإنه يمكن القول إن لغة دارجة جديدة قد أنشئت وشاعت في مختلف مناطق المغرب، وقربت الأذواق بل إنها أغنت القاموس المتداول وقلصت الفواصل فيما بين مختلف المناطق. وتعزز ذلك بفضل المسرح والأغنية. وهذا الانتشار، الذي حدث لمختلف أبواب الإبداع الفني في السمعي البصري هو أضعاف مضاعفة لما تم في الصحافة المكتوبة. 

وهذه بدورها خضعت لتهذيب وقع تدريجيا منذ نهاية القرن التاسع عشر في مصر والشام، وذلك من خلال تبسيط التعبير، والابتعاد عن التقعر، مما أدى إلى لغة وسطى هي التي روجتها الصحافة حينما تفشى انتشارها. 

 

تعزيز الدارجة في الفضائيات

وفي غمرة هذه الصيرورة حدث شيء أساسي هو أن الرسائل الثقافية والإبداعات الفنية لم تبق مقتصرة على الخاصة. وهذه مسألة كانت لها انعكاساتها، وأدعوكم إلى التأمل في عواقب ذلك على صعيد الواقع. ومن جملة العواقب أن المرسل في الإذاعة أخذ يتكيف مع مقتضيات وصول رسالته إلى جمهور واسع، من حيث الأسلوب، ومن حيث اللغة المستعملة في هذا المجال أو ذاك. ففي مجال معين لا يحتمل استعمال غير اللغة العالمة، وفي مجال آخر لا يمكن التعامل إلا باللغة التي يفهمها العامة. 

أما حينما شاعت الفضائيات التلفزيونية، الناطقة كل منها بلهجة بلدها، فقد تعززت المسيرة الرامية إلى إشاعة المعرفة والأفكار بلغة في متناول أوسع جمهور ممكن. وأهم ما حدث هو أن مركز الدارجة تعزز في الحوارات السياسية التي تستهدف الوصول إلى جمهور واسع. وهو رهان مهم في هذا النوع من البرامج السمعية البصرية. وهذا النوع من المتحدثين يتميز ببساطة تناولهم للمسائل التي يريدون أن يعرضوها على الجمهور الواسع. ثم إن هذه الفئة ليس التضلع في اللغة من سماتها، لأنه مطلوب منها كحد أدنى أن يكون الواحد من أفرادها حائزا للشهادة الابتدائية. وبذلك لم تبق برامج المنوعات من مسرحية وغنائية وحدها مستأثرة باستعمال اللغة العامية.

 

 

دارجة الإذاعات الخاصة

ثم إنه حدث في المغرب بالذات، كنتيجة لظهور الإذاعات الخاصة، أن أطلق مسلسل التنافس فيما بين هذه الإذاعات لاكتساب أوسع قاعدة ممكنة من الجمهور، مما دفعها إلى الإكثار من البرامج الترفيهية والرياضية ومناقشة القضايا الاجتماعية اليومية التي تتطلب مشاركة المستمعين في النقاش، وكل هذا رفع حصة الدارجة. وهذا التكريس له عواقب. 

يجب القول إن هذا التكاثر في الإذاعات هو نتيجة تحرير السمعي البصري. وبما أن هذا التحرير أمر لا رجعة فيه، فيجب التنبه إلى أن تكاثر الإذاعات الخاصة سيجلب تزايد استعمال الدارجة. كما أنه مع إنشاء محطات جهوية، سيملي عنصر مراعاة القرب من الجمهور، أن يقع في كل جهة تفضيل اللهجة السائدة لدى جمهور المستمعين والمشاهدين. 

ومعلوم أن هذه المحطات الخاصة، تعتمد في تسييرها على المداخيل النابعة من الإشهار الذي لا يمول إلا البرامج التي يقبل عليها الجمهور الواسع. أي أن المسار الذي دخلنا فيه بتحرير السمعي البصري سيجلب عادات جديدة للتلقي، تبعا للآليات التي تحكم العلاقة بين الجمهور ومواد الفرجة التي تقدم له، وهي مرتبطة بطرق التمويل. ومن أجل هذا استحدث جهاز قياس التعايش مع الإعلام السمعي البصري، وهو مرفق يتطلع إلى خدماته المعلنون والمبرمجون. 

فما الذي يمكن أن يحدث؟ ليس رجما بالغيب القول إنه يتوقع نزول مستوى البرامج التي تبث في ساعات الإقبال الكثيف، أي أثناء ما يعرف بالبريم تايم (ما بين السابعة والتاسعة مساء). وهذا ما وقع في بلدان أخرى، حيث أدى السعي وراء استرضاء العامة، ما سمي في إسبانيا على لسان رئيس الحكومة نفسه، بتلفزيون الزبالة. 

في ظل هذه المواصفات العامة يجب القول إن الإعلام السمعي البصري، وهو الذي يخاطب الجمهور الواسع، سيستعمل اللغة الدارجة في المكان الأول. ويبقى فقط التفكير في أي دارجة ستسود المجال، في مناخ تتعرض فيه الفصحى لمعاول الهدم وأحيانا للمحاربة الشديدة. 

إننا نرى من الآن أن اللغة المستعملة في برامج الإذاعات الخاصة قد اصطبغت نهائيا بصبغة سوقية اضطرت المجلس الأعلى للسمعي البصري إلى أن يتدخل لحماية الذوق العام. وفي موازاة ذلك تفاحشت في العشرية الماضية، الاستهانة باللغة العربية إلى درجة أمكن معها القول إن المغرب سائر في الانتقال من بلد ثنائي اللغة، (فرنسية وعربية)، إلى بلد سيستغني شيئا فشيئا عن العربية، ليفسح المجال أمام الفرنسية وحدها. 

 

فرنسية عارمة وطلب على العربية! 

وحتى الآن تسود ظاهرة الفرنسة العارمة والمبيتة والمدعمة من لدن ذوي القرار الاقتصادي والسياسي، حيث يبذل جهد عنيف من أجل التمكين للفرنسية، على حساب كل  من الفصحى والدارجة والأمازيغية. 

ولا يفوتنا أن نسجل في نفس الوقت أن الجمهور يزداد انحيازا للمادة الإعلامية المقدمة بالعربية. وهناك أرقام تستمر في تأكيد الاتجاه الواضح للجمهور في الإقبال أساسا على الصحافة المكتوبة بالعربية، والذي لا تنفتح شهيته إلا للفضائيات الناطقة بالعربية. وقد سبق لي أن قدمت أرقاما ذات دلالة واضحة في هذا الاتجاه. 

وأضيف اليوم الأرقام المتعلقة بالفترة ما بين 12 غشت و9 شتنبر2010، أي أحدث ما بين أيدينا، وهي تقول إن حصة القنوات المغربية، الأولى والقناة الثانية والمغربية، يقدر جمهورها  بـ39.7 %. وتبعا للأرقام الأخيرة  لماروك ميتري فإن البرامج العشرة الأولى في كل من القناتين الوطنيتين لا يوجد من بينها أي برنامج ناطق بالفرنسية.  ولابد أن نشير إلى أن الفضائيات الأجنبية يشاهدها من المغاربة 60.3 %. وهي في الغالب فضائيات عربية، لأن استطلاعا أجري في سنة 2008 دل على أن القنوات الفرنسية تأتي في المرتبة الثانية عشرة بنسبة مشاهدة تقدر ب 0.5  %. 

إن هذا الاستطراد السريع لذكر الحصص الهزيلة للبرامج المنجزة بالفرنسية غرضه فقط هو بيان الحد الذي تذهب إليه معاكسة الجمهور في المغرب، بحيث أن الفرنسة مفروضة، ومحاربة العربية في الإعلام السمعي البصري وفي الإشهار، عملية مستمرة منذ عقود، بلا جدوى كما هو واضح. وهذه المعاكسة تقع بقرار مبيّت.

وفيما يخص قراءة الصحف المكتوبة فإن الأرقام التي تنشرها هيئة مراقبة الرواج ojd  التي تحتكم إلى تقاريرها وكالات الإشهار والمقاولات الصحافية تؤكد بدورها هيمنة الإعلام المكتوب بالعربية. وإليكم الأرقام: 

جاء في تقرير سنة 2007 أن مجموع ما بيع من الجرائد اليومية المكتوبة بالعربية كان هو 207.823 نسخة. بينما كان مجموع ما بيع من الجرائد اليومية المكتوبة بالفرنسية هو 93.402 نسخة.

وجاء في تقرير سنة 2009 أن المبيعات من الجرائد اليومية بالعربية بلغت 211.949 نسخة. بينما بلغت مبيعات الجرائد اليومية بالفرنسية، 55.694 نسخة. أي أنه في سنتين ارتفع عدد المبيعات من الجرائد المكتوبة بالعربية، وانخفض عدد الجرائد المكتوبة بالفرنسية.  

 

ضرب الفصحى بالدارجة والأمازيغية

وأعود إلى موضوعنا وهو الدارجة، فأذكر نقطتين. الأولى هي أن فرض الدارجة ليس وراءه فقط عنصر الفعالية الذي أومأت إليه كأحد الدوافع التي تملي على الإعلامي مقتضيات الوصول إلى الجمهور الواسع، بل هناك سعي حثيث مدبر، ازداد استئسادا في السنوات العشر الأخيرة، وهو سعي يهدف إلى ضرب الفصحى بالدارجة والأمازيغية. والنقطة الثانية هي أن ما يتبلور حاليا على إيقاع تكريس دور الإذاعات الخاصة، هي أنه تتم حاليا صياغة دارجة مغربية على مقاس فئة عاجزة عن التعامل بحس فني راق مع اللغة.  

لقد تدخلت في المشهد الإعلامي بنشاط ملحوظ وكالات الإشهار، ذات التوجه الفرانكفوني، التي بالغت في فرض الدارجة،  ليس فقط في النداءات الإشهارية السمعية البصرية، حيث يكون استعمالها معقولا، بل إن تلك الوكالات تصر على استعمال الدارجة في الملصقات الإشهارية التي تفرض نفسها على المارة في الشارع. وقد سبق لي أن كتبت أن بعض العبارات تكتب في تلك الملصقات بطريقة هي أقرب إلى الألغاز. 

 

تجسير الدارجة مع الفرنسية

وأريد أن أنبه مرة أخرى إلى الخطورة التي ينطوي عليها استعمال عبارات بالدارجة في تلك الملصقات، بالنسبة للناشئة، بحكم أن تلك الملصقات المزروعة في الشارع، تخاطب مخيلة المارة بإلحاح، وتحفر في الذاكرة أثرا لا يمحى. ولكثرة اصطدام العين بالعبارات المضمنة في تلك الملصقات صباح مساء لعدة أيام، فإن الناشئة التي تبصر ذلك يستقر في روعها أن الطريقة التي تكتب بها تلك العبارات هي مقبولة ومطابقة للقواعد، أي أن تلك المشاهدات تحطم كل ما تم تلقينه في المدرسة. وهذا من عمل وكالات الإشهار التي يندر من بين أطرها من له تكوين لغوي بمستوى مقبول. 

والمسؤولية في هذا الانتشار الوبائي للرداءة ترجع إلى المجالس المنتخبة التي ترخص باستعمال تلك الملصقات. فهي التي توافق على النصوص الواردة في تلك الإعلانات. وبهذا فإن أعضاء المجالس هم الذين يفرضون على المارة، بقرارهم وبسكوتهم، أن يتحملوا تلك التجاوزات الخطيرة في الإملاء والتراكيب الركيكة، ويهدمون كل ما تبنيه المدرسة بجهد جهيد. وقد سبقت الإشارة عدة مرات إلى  هذه الإساءة البالغة للرصيد اللغوي للأطفال، ولكن المجالس البلدية في لهو عن القيام بمسؤوليتها، وهي بذلك تساهم في التلوث البصري الذي تنقله تلك العبارات. وقد حدث هذا الاكتساح العارم للملصقات الإشهارية، في نطاق فرض اللغة الفرنسية، المصحوب بطرد الحرف العربي من الشارع المغربي. 

ومن جانب آخر يجب التحذير من عواقب افتقاد الحس الفني للتعامل مع اللغة، الذي يظهر في مجالين هما السينما والإذاعات الخاصة. 

في السينما، يتعاطى لكتابة السيناريو فنيون لهم باع في ميدانهم، ولكنهم لا يستعينون بكتاب حوار متخصصين، ويلجأون هم إلى كتابة الحوار، الذي يقع التفكير فيه بالفرنسية،  ويصوغونه بدارجتهم الفقيرة، المكتسبة بصعوبة، غالبا بسبب ظروف النشأة أو التكوين في الخارج. وهم يقومون بذلك مستسهلين هذه المهمة في أغلب الأحوال، في حين أن الحوار مسألة دقيقة، وباب للإبداع له شروطه. وبسبب عدم اتباع تلك الشروط يأتي الحوار الذي يكتبونه غير موفق، وأحيانا غير مطابق لما هو مكتوب بالفرنسية في أسفل الشاشة. 

ومن جهة أخرى نجد أن الدارجة المستعملة  في الإذاعات الخاصة تتميز علاوة على الارتباك بأنها مزيج « الفراناربية « التي تطرق السمع برنة غريبة، تكاد توحي للسامع بأن اللهجة المغربية هي تركيبة هجينة، على غرار المالطية أو الجزائرية التي كان الناس يتندرون بها في زمن ما. 

وهذه الممارسة تدخل في تمرين الأذن المغربية على تقبل لغة تقيم جسرا للجواز نحو الفرنسية، وهو ما يسعون إليه. إذ أن هناك حملة وتحاملا على العربية عموما. ويتم ذلك أحيانا بدوافع إيديولوجية، وصولا إلى تقليل الارتباط بالمشرق، وأحيانا يتم ذلك لمجرد الفضول والمزاج أو العجز. 

وقد نشر في جريدة مغربية مثلا أن المتكلمين في رثاء الكاتب والصحافي عبد الفتاح الفاكهاني، تكلموا «فقط» بالفصحى. وقالت الصحافية التي كتبت التغطية في رنة أسف، إنه كان هناك نص وحيد بالفرنسية هو قصيدة. وبعد  التأفف مما سبق قالت «كأنه لم يكن بإمكان الدارجة المغربية الجميلة أن توصل مشاعر الحزن، لربما يصل صداها أكثر وبقوة إلى حيث المثوى الأخير لعبد الفتاح». وهذا كلام نشر في صحيفة يومية تصدر بالعربية، وليس في مجلة كانت قد أصدرتها مواطنة أميركية بطنجة اسمها «أخبار بلادنا»، أو في مجلة « نيشان « التي كانت تكثر من المواد المكتوبة بالدارجة.  

ويجب الإلحاح على أن المجال الإذاعي يسوده تسيب لغوي، أبرز ميلا إلى السوقية لا تقتصر على المفردات والتراكيب بل تتعلق بالمضمون، مما يخلق نوعا من الانحطاط  والميوعة، كان المجلس الأعلى للسمعي البصري قد أصدر قرارا لتوبيخ مرتكبيه. 

ويتم هذا في جو حملة وتحامل، بقصد التمهيد للتخلي عن استعمال الفصحى في المدرسة. وجاء من قال في ندوة بالدار البيضاء إن الدارجة هي الوسيلة لقطع الطريق على الأصولية. وقيل كذلك إن اللغة الفصحى هي لغة أجيال مضى عهدها. 

على أنه يجب التذكير بأن أغلب أصحاب هذه الفتاوى، لا يستعملون العربية في حياتهم اليومية لا بالدارجة ولا بالفصحى. وقد حث أحدهم – في افتتاحية – على القول «كليكي على السوري» لأن ذلك أقرب إلى «منطق» الدارجة، من قول «اضغط على الفأرة». 

والتفسير لكل هذا واضح: هناك من يرغب في الابتعاد ما أمكن عن العربية، وحشو القاموس المغربي أكثر ما يمكن بالفرنسية. ولكن هذا يعاكس ميول الجمهور. وهو مخالف للمنطق السليم. ويجب تصحيحه. وفي أجواء يطبعها الامتثال إلى قواعد العمل التي أتى بها تحرير السمعي البصري، وأهمها التنافسية، سيكون على معاهد التكوين أن تخلق وعيا تجاه ما تطرحه هذه الممارسات. كما أن جمعيات المستهلكين يجب أن تصبح ذات حضور جدي، وأن تكتسب عضلات قوية، لكي تتمكن من الصراع بفعالية من أجل حماية الجمهور. 

وفي غمرة كل هذا ستفتح على مصراعيها جبهة الدفاع عن الإعلام العمومي، والتمكين له من حيث الكفاءة، وارتفاع المستوى، لكي يقدم للجمهور خدمة تتسم بالجودة. وكما هو الحال بالنسبة للتعليم العمومي والصحة العمومية، نتوقع أن يتقوى الدفاع عن كفاءة وجودة الإعلام العمومي.  

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي