مانديلا ... عملاق خلوق

08 ديسمبر 2013 - 10:09

ونحّى مانديلا جانباً مرارة سبعة وعشرين عاماً في سجون الفصل العنصري، وتحمّل قرون التقسيم والخضوع والاضطهاد الاستعماري، من أجل تجسيد روح وممارساتِ الطيبة الإنسانية، مانديلا أدرك تماماً أن الناس يعتمدون على بعضهم بعضا من أجل رفاهية الأفراد والمجتمع. وكان هذا حلمه لجنوب أفريقيا وأمله الذي قدمه للعالم أجمع، وإذا أمكن ذلك في جنوب أفريقيا وأيرلندا والبوسنة ورواندا وكولومبيا، فإنه ممكن أيضاً في دول أخرى. وبالطبع، في روح الطيبة الإنسانية، كان مانديلا يسرع في الإشارة إلى أنه لم يكن ليتمكن بمفرده من مواجهة كثير من الصعاب التي قابلته في طريقه، وأنه كان محاطاً بأشخاص يتمتعون بالنزاهة أكثر منه إشراقاً وشباباً، غير أن ذلك لم يكن سوى جزء من الحقيقة فقط.

والحقيقة أن الأعوام الـ 27 التي قضاها "ماديبا" -مثلما اشتهر في غياهب سجون التمييز العنصري البغيضة- عمّقت شفقته وقدرته على التعاطف مع الآخرين، وفي مقدمة دروس القيادة والثقافة التي استفادها في نشأته وفي تطويره لصوت يعبر عن الشباب في سياسات مكافحة التمييز العنصري، بدا أن السجن أضاف له فهماً للحالة الإنسانية.

ومثل أغلى الماسات التي وجدت تحت سطح الأرض، بدا مانديلا الذي خرج من السجن في يناير 1990 بلا عيب حقيقي. وبدلاً من الدعوة إلى الثأر، أرسل رسالة التسامح والمصالحة وإلهام الآخرين أنموذجة في التعامل بصورة استثنائية بنبل الروح. وجسد "مانديلا" ما دعا إليه على أرض الواقع وجعل كلامه جسداً يمشي، فدعا جلاده السابق لحضور حفل تنصيبه الرئاسي كضيف من الشخصيات المهمة، ودعا الرجل الذي قاد قضية الدولة ضده في "محاكمة ريفونيا"، والذي طالب بتوقيع عقوبة الإعدام عليه، إلى غداء في مكتبه الرئاسي. وزار أرملة أكثر الكهنة تأييداً للتمييز العنصري "بتسي فيرورد"، وكان لديه ذوق التصرفات الرمزية المدهشة التي تدل على عظمة إنسانية، فمن ينسى تلك اللحظة المهيبة التي حضر فيها مانديلا إلى أرض الملعب في نهائي كأس العالم للرجبي في عام 1995 مشجعاً فريق موطنه الذي كان معظمه من البيض – مرتدياً قميص الكابتن فرانكو بينار رقم 6، وكان لتلك الإيماءة تأثير في بناء الدولة والمصالحة أكثر من أي عدد من العظات الدينية والخطب السياسية.

ورغم أنه كان يحب العمل دائماً ضمن فريق، إلا أن "ماديبا" – كما اشتهر في غياهب السجون- كان يشعر براحة كافية في العمل بمفرده، وكانت لديه القدرة على تحديد الصواب من الخطأ، لدرجة أنه أبدى قدراً ضئيلاً من المخاوف التي يبديها كثير من السياسيين، وكان قادراً على تقبل النقد، ومستعداً لتقديم الاعتذار عندما يشعر بأنه واجب.

وكانت لمانديلا الشجاعة الأخلاقية والأدبية، أثناء وبعد فترة رئاسته، في أن يفعل ويقول الأشياء التي كانت لا تتطابق دائماً مع السياسات الرسمية لـ"المجلس الوطني الأفريقي" الذي أحبه.

وعندما نشرت "لجنة الحقيقة والمصالحة" نتائجها، وعارض "المجلس الوطني" جزءاً منها بشدة، تحلى مانديلا بجرأة قبول التقرير علانية.

ومن بين الأمثلة الأخرى، تأسيس أول موقع ريفي لعلاج مرض نقص المناعة المكتسبة "الإيدز" في جنوب أفريقيا، في وقت كانت فيه الحكومة مرتبكة ومشوشة في مواجهة الوباء.

وعندما تم اتهام أحد مفوضي لجنة الحقيقة والمصالحة في جلسة استماع العفو العام بالتدخل في القضية أمام اللجنة، عين مانديلا لجنة قضائية للتحقيق، وبعد ذلك طلب سكرتير الرئيس مني بيانات الاتصال بالمفوض، وأدركت أن الرئيس يود أن يطمئنه، لكنني أخبرت السكرتير بأنني كرئيس للجنة ينبغي أن أعرف النتائج التي توصلت إليها اللجنة القضائية أولاً.

وفي غضون دقائق اتصل الرئيس مانديلا بنفسه يعتذر قائلاً "نعم، أنت محق تماماً .. أنا آسف"، وربما يجد السياسيون الاعتذار مستحيلاً، لكن العظماء فقط يعتذرون بسهولة، لأنهم لا يخشون شيئاً.

وهل يمكن تخيل ما حدث لنا عندما خرج مانديلا من السجن في عام 1990، في خضم حالة من الاستياء العام بسبب فشل العدالة أثناء محاكمة ريفونيا؟ وهل يمكن تخيل كيف كانت ستصبح جنوب أفريقيا اليوم لو تملكتها شهوة الانتقام والرغبة في العودة لتعويض الإذلال والألم الذي تعرض له هو وشعبه على أيدي قامعيهم من البيض؟

وبدلاً من ذلك، اندهش العالم- وفي الحقيقة ألهمه- الانتقال السلمي غير المتوقع للسلطة في عام 1994، الذي لم تستتبعه طقوس الثأر والعقاب، وإنما روح التسامح والمصالحة التي لخصتها إجراءات "لجنة الحقيقة والمصالحة".

ولم يكن من المثير للدهشة أن تم اختياره على من سواه عندما أجرت "بي. بي. سي" استطلاعاً للرأي لتحديد من ينبغي أن يترأس حكومة عالمية لتوجيه شؤون قريتنا العالمية المكبلة بالصراعات .. كان ذلك العملاق الأخلاقي الموثوق موضع إعجاب العالم.

وشعر الناس بالدفء نحوه بسبب ما عرفوه وما شعروه في أعماقهم بأنه مهتم بهم حقيقة، وأن حنينه وشوقه لخدمتهم بسبب إيمانه بأنه من أجل هذا وجد القائد، وليس من أجل تفخيم ذاته وتحقيق مصالحه الشخصية.

وشعر الناس بهذا، فلا يمكن لأحد خداعهم، ولذا أهداه العمال في مصنع مرسيدس بنز في شرق كيب تاون سيارة خاصة صنعوها تكريماً له، وعندما زار بريطانيا في زيارة الوداع الرسمية، توجب على الشرطة حمايته من الجموع التي اندفعت نحوه حباً واحتراماً، وليس خوفاً على سلامته من أي عمل عدائي.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي