ليس الوطن بقرا حلوبا...

27 ديسمبر 2013 - 14:29

ولا مجرد معرفة وثقافة؛ بل هي آصرة وجدانية وعاطفية تشدُّنا بوطننا، وسلوك وممارسة يجدان مصبهما الطبيعي في كل محيط حياتنا، و»عقدٌ اجتماعيٌّ» حسب «روسو»، ينسُجه المواطن مع الدولة، قِوامُهُ أن المواطن ليس من الرعايا يُجيد الإمتثال والخضوع فقط، بل له حقوق يتنفسها في سماء وطن حر، وواجبات لا سبيل للتبرم أو التملص منها، وأن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست مِنّةً أو هبةً من أحد، ولا نحتاج إلى التلفع بأردية الرشوة أو التزلف والتملق والمراوغة… للظفر بها، وأن الوطن ليس بقرا حلوبا، بل أمًّا حنونة، علينا حمايتها ورعايتها والانتماء إليها بحب وشفافية ووعيٍّ ومسؤولية ومبادئ وأخلاق، بعيدا عن أي انتهازية ووصولية.

هي الشعور بالانتماء إلى وطن آمن عادل، كحاجة ضرورية على الإنسان إشباعها ليقهر عزلته وغربته حسب الفيلسوف «إيريك فروم»، وكي لا يكون مجبرا على تدمير ذاته وإحراقها، ولا مجبرا على تهجِير جسده ودماغه، والحظوة في وطنه بحياة جديرة بإنسان له كرامة، بديمقراطية ومساواة وتكافؤ للفرص.

 وطنٌ يعترف بكفاءته وقدراته، وطنٌ يساهم المواطن في نسج خيوطه وصوغ قراراته. وطنٌ يمنحه القدرة على التفكير والإبداع والتخييل والمشاركة وحرية الرأي. وطنٌ يستشعر في ردهاته أنه ليس مجرد متفرج سلبي، بل مشارك ومحاور وصانع للسياسات وناقد لها، ناخبٌ ومنتخَب ومحاسب لمؤسسات الدولة، وطن يسعُ الجميع بكل اختلافاتهم وتنوعهم، بلا تمييز وإقصاء وتهميش على أساس المعتقد والأصول القومية والعرقية أو الجنس أو اللغة أو الإيديولوجيا. وطنٌ يصكُّ الدساتير بطريقة توافقية تراعي مصالح وحقوق فئات وطبقات المجتمع دون التقوقع في كهف ضيق أحادي الخطاب.

ليست المواطنة مجرد فضاء جغرافي يلمنا، بل نضال وتعايش وتساكن وتشارك كي نكون جديرين بدفق هاته الكلمة المواطنة في عروقنا. هي وسيلة، لا هدف، لحياة أفضل وأكثر ديمقراطية. لهذا، فكلمة مواطنة ــ حسب المفكر المغربي محمد عابد الجابري ــ مشتقة من الفعل الثلاثي المزيد «واطن»، أي شارك وعايش وساكن، وليس «وطن»، أي أقامَ وسكنَ.

ليست المواطنة رجلا يمارس الشأن العام ويحتل المجال العمومي وحده، ولا امرأة مواطنة من الدرجة الثانية، غير مكتملة المواطنة، بل هي ثنائية رجل وامرأة؛ وبوجودهما معا، ندلف فعلا مجتمع المواطنة.

هي مفهومٌ زِئبقيٌّ عصيٌّ على الإمساك به، يغتني بسيرورة المجتمع وبديناميكيته وبالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبمدى وعينا بتلك السيرورة، ولا يتشكّل دفعةً واحدةً. وكلما تراجعت سيطرة القوى الظلامية المعادية للتنوير، المؤيدة للفكر القروسطوي الرجعي، وحلت تلك الساعية إلى العصرنة والتحديث؛ كلما اغتنت المواطنة بِحزْمةٍ من الحقوق والواجبات.

شارك المقال

شارك برأيك