زرقاء اليمامة

27 ديسمبر 2013 - 14:30

 

كان اليسار دوما ذلك الرحّالة الذي لا يخشى الخوض في الصحاري المجهولة والقاسية، ويتطوع دائما، من بين أفراد القبيلة للبحث، عن الواحة الأسطورية حيث يجري الماء الزُّلال وينتشر ظل النخيل الباسق. 

كان دوما السبّاق إلى طرقِ أبواب المواضيع التي يخشى الآخرون الاقتراب منها، وحتى وإن اقتربوا منها، فيكتفون بالمرور جنبها بخطى حذرة قبل أن يسرعوا الخُطَى وهم ينظرون خلفهم آملين   ألا يكونوا قد أزعجوا من يقبعون خلفها. ولكنه لا يطرقها لإثارة الضجيج وانتباه المارة فقط، بل لأنه لا يحب الأبواب المُوصدة والنوافذ المُغلقة.

بسبب هذا التصور الذي كان لديّ دائما عن اليسار، وجدتني هذا الأسبوع في وضع ملتبسٍ غير مريح بالمرة. فبما أنني أنشدُ مغربا يتلبّس روح الحداثة ولا يكتفي بارتداء مظاهرها، كما ينشدُ التائه في الصحراء العثور على نقطة ماء ولا يكف عن الجري وراء السراب تلو السراب، استسلمت لارتياح لا إرادي تقريبا، وأنا أسمع أن الاتحاد الاشتراكي في شخص زعيمه الحالي، يُطالب بمنع تعدد الزوجات والمساواة في الإرث، ويدعو عبر فرعه النسائي إلى تقنين الإجهاض. بيد أن هذا الارتياح سرعان ما انحسر أمام ذلك التوجس الذي يسكنني منذ سنوات اتجاه قادة هذا الحزب الذي كنت لسنوات أأتمنه على آمالي وأحلامي، وإن لم أكن يوما عضوا فيه ولا أديت له قط انخراطا. ومبعث توجسي هذا، الخيبات المتواصلة التي أصابتني من تحركات هؤلاء القادة ومن إخفاقاتهم التي أخشى أن تكون أصابت هذا الحزب بعجز مزمن.

ومبعث توجسي كذلك، هو الطريقة التي أُثيرت بها هذه القضايا التي تكتسي حساسية مفرطة، خصوصا في هذه الأيام التي تجري فيها الرياح كثيرا بما تشتهيه سفن التيارات الدينية المحافظة التي تُكرّس سيطرة المقدس- أو بالأحرى التأويل الذي تعطيه لهذا المقدس- على الكائن المغربي التائه.. هذا الكائن الذي لا يعرف ملاذا آخرَ، سوى ظل هذا التأويل، مادام كائنا قاصرا لم يبلغ بعد، مرتبة «الفرد»، وهي سن الرشد لدخول «الحداثة». 

 لا شك أن تعدد الزوجات وغياب المساواة بين الذكر والأنثى، وعدم امتلاك هذه الأخيرة لجسدها بالكامل، من الأحمال الثقيلة التي تبطئ كثيرا من سير مجتمعنا نحو هذه «الحداثة» الحقيقية، ومساءلة هذه القضايا يجب أن تجري بذكاء وحنكة الـ»éclereur» لتفادي الألغام المحافظة التي تملأ الساحة العمومية المغربية، ومن هذه الطرق مثلا: البحث في ثنايا هذا المقدس عن تأويل بديل لذلك الذي يتشبث به المحافظون، ويجعلون منه درعا للاحتماء وسلاحا للهجوم كلما تم الاقتراب من المواضيع التي لا يريدون أن ينفذ إليها أي تأويل بديل. ليس هذا فقط، بل يتعين كذلك، اكتساب المصداقية اللازمة لفرض هذا التأويل على أنه الأكثر ملاءمة لمغرب القرن 21.

إن اليسار الحقيقي لا ينزل بالقضايا المفرطة الحساسية والبالغة الالتباس إلى مرتبة «التكتيك» السياسي الذي من طبيعته قصر العمر، بل يرفعها دائما إلى مرتبة «الاستراتيجية» البعيدة المدى، فهو مثل زرقاء اليمامة يرى أبعد مما يستطيع الآخرون بلوغه. وهذا يجعله قادرا على تقدير فرص نجاحه واحتمالات فشله في كل ما يقدم عليه. وعلى عكس اتحاديي هذا العصر، فهو لا يؤمن بمقولة منسوبة إلى لويس الحادي عشر مفادها أنه «في السياسة يجب أن نعطي ما لا نملك، ونعد بتحقيق ما لا يمكن أن نعطي».

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي