مغرب المفارقات

06 يناير 2014 - 16:17

 والحقيقة، أن زمن المفارقات لا يرتبط بميلاد الدولة المغربية الحديثة، وسيرورة إعادة البناء الوطني بعد الاستقلال، بل يرجع إلى ما قبل هذه الحقبة بعقود طويلة وممتدة في التاريخ.

 مقصدي في هذا العمود، التوقف عند بعض المفارقات التي وسِمت، ومازالت تسِم التطور الراهن للمغرب السياسي. فمن المعروف في الأدبيات الدولية، ولاسيما التي لها صلة بالتنمية وما يرتبط بها من قضايا، أن إقرار الحقوق والحريات، وتوسّع دائرة ممارستها، وتوطّن قيمها، يُفضي بالضرورة إلى إطلاق التنمية، وتقوية محركاتها، وتعزيز آثارها الإيجابية على المجتمع بكافة مكوناته. إنها الأطروحة المركزية التي دافعت عنها كتابات الباحث الهندي، الحاصل على جائزة نوبل، «آمارتيا سين»، والتي شكلت الأساس المرجعي لمجمل تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي [1990 ـ 1992]. فالحرية تُطلق الكفاءات، وتحرر الإنسان من القيود التي تُكبل قُدراته على العطاء والإنتاج، وتذكي فيه جذوة العمل، والإبداع، والاجتهاد في السعي إلى الخير العام، وهي تاليا، وبالضرورة، تخلق الثروة، وتيسر سُبل الرخاء، وتحقق التنمية بمعناها المتنوع والواسع.

 يُسجل للمغرب اندفاعه المنتظم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في إقرار الحريات والحقوق، وتحرير الاقتصاد والتجارة، والسعي الحثيث إلى عصرنة المؤسسات، وإصلاح منظومات القوانين. والحقيقة أن ما أنجزه المغرب في العقدين الأخيرين لم يُنجز مقداره منذ استرداد استقلاله الوطني، وهي حقيقة لا ينكرها كل متابع موضوعي لما يجري في المغرب الأقصى.. إنها حقا ثورة هادئة على صعيد إنتاج القوانين والتشريعات، وبناء المؤسسات، والتمكين من إشاعة قيم جديدة. غير أن المغرب، مقابل كل هذه الجهود، لم يحقق بعدُ، النقلة النوعية المتوقعة من تصالحه مع قيمة الحرية وما يتصل بها من حقوق، أي التقدم في سلم التنمية، والارتقاء في مراتبها، و في هذا الجانب تحديداً يكمن  الوجه  البارز والصادِم في مفارقات مغرب اليوم. فلو أفضت الحرية إلى التنمية، لما تقهقرت مواقع المغرب في مراتب العديد من التقارير الدولية ذات الصلة بالتنمية ومشمولاتها. فهكذا مثلا، لا نلمس نتائج الجهود المتواصلة للمغرب في مضمار إقرار الحقوق والحريات في المواقع التي تبوأها في أربعة تقارير دولية ذات علاقة مباشرة بالتنمية في معناها الواسع، حيث جاء تصنيفه في تقرير التنمية البشرية العالمي للعام 2012 في الرتبة 130 من أصل 185 دولة، و77 من 148 في تقرير التنافسية، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2013، والرتبة 91 من 177 دولة في تقرير منظمة الشفافية الدولية، والدرجة 136 من 179 في تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود»، حول حرية الصحافة للعام 2013… إنها مراتب لا تُفسر بما يكفي من الإقناع الخطوات المهمة والمستدامة التي أقدم عليها المغرب منذ مستهل تسعينيات القرن الماضي في مجال الاعتراف بحقوق الإنسان والانتساب إلى مرجعية منظومتها الدولية.

 كيف نفسر إذن هذه المفارقة الكبيرة بين توسع دائرة الاعتراف بالحريات وحقوق الإنسان وإقرارها في الدساتير والقوانين والتشريعات، وبناء مؤسسات للتعبئة من أجلها وترويج خطاب التربية عليها، والتأخر شبه المنتظم في مراتب تقارير التنمية وما يرتبط بها..ومهما كانت للمرء من ملاحظات حول منهجية إعداد وصياغة التقارير الدولية، فإن ثمة معطيات لابد من الاعتراف بها، والتنبه لها، وهي أن هناك حلقة مفقودة  لتفسير عدم حصول تلازم مثمر ومنتج بين الحرية والتنمية في المغرب..  وهي مفارقة لا تبعدنا عن الأسئلة التالية: هل يحتاج المغرب إلى وقت أكثر مما مرّ حتى الآن ليقطع مع الإرث الثقيل النابذ لسيرورة التنمية في ربوعه؟، أم بالعكس يحتاج المغرب إلى إرادة سياسية أعمق لييُنقِل الحرية من الشعار إلى التمثُّل والاستيعاب والممارسة؟. ثم ألا يحتاج المغرب كي يوطّن الحرية في مؤسساته ونسيج مجتمع إلى ذهنية جديدة متشبعة فعلا بالحرية ومدركة لقيمتها ومتطلباتها ولوازمها؟.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي