وكانت تلك الرهبة تغمرنا كلما مر أحد منهم من الدرب، وتجعلنا نوقف لعبنا وصراخنا، بل ونتسارع، إن بقيت لنا بعض الجرأة، إلى تقبيل يده.
بعد سنوات، أرادت صدف الحياة أن أكتشف أن بعض هؤلاء الفقهاء ليسوا بتلك الرهبة التي كانت تغمر الطفل الذي أحن إليه. فلم يكونوا متعمقين كثيرا في أمور الدين، ولكنهم كانوا يتمتعون بخصلة جميلة في تقديري هي «عدم الادعاء».
ويبدو أن هذه «الخصلة» انقرضت من بلادنا كما انقرض أسد الأطلس من جبالها، وغمر «الادعاء» المجال الديني كما زحف التصحر على مساحات كبيرة من أرضها ومازال يزحف. فراح كل من أرسل لحيته وحرك بضع صفحات من القرآن، أو فتح كتابا أو اثنين من كتب الفقه القديمة -التي ألفها أصحابها في سياق تاريخي واجتماعي وسياسي مختلف تماما عن سياقات هذا العصر- يجلس أمام كاميرا ويعلن نفسه حارسا على باب الإسلام، ويعتبر نفسه امتدادا للسلطة الإلهية في الأرض، فيخرج من الدين من يشاء ويسمح بدخوله لمن يشاء، ويخول نفسه ضمنيا حق منح الحياة وسلبها.
وفي تقديري، فكل هؤلاء التكفيريين، وآخرهم رشيد نافع الذي لا نصيب له في اسمه أسوة بمعظم سابقيه، لا يرغبون في نصرة الإسلام، لأن دينا استطاع الوصول إلى ثقافات وحضارات عريقة ومتنوعة ووجد له مكانا مرموقا فيها ليس في حاجة البتة إلى هؤلاء الذين ينظرون إليه بنظارات فاسدة تظهره ضيقا بينما هو فسيح.. وعابسا متجهما بينما هو باسم صبوح؛ ولا يريدون فقط إيجاد مكان لهم تحت شمس التطرف الحارقة التي تأبى الغروب عن هذه البلاد، بل هم أناس يستلذون، في تقديري، بذلك الوهم الذي يجعلهم يحسون بأن «الحديث باسم الدين» يعطيهم سلطة هلامية على المجتمع يحددون له، وفق هواهم، الحلال والحرام.. الإيمان، وغير الإيمان.. من يستحق الحياة ومن لا يستحقها.
لا يساورني شك في أن كل هؤلاء التكفيريين مآلهم هو مآل الزبد الذي يذهب جفاء.. لأنهم لا ينفعون الناس في شيء، بيد أنني أخشى الخسائر التي قد يخلفونها لأنهم مثل الأعاصير.. فهي سرعان ما تتلاشى ولكن بعد أن تترك وراءها الكثير من الدمار، خصوصا أن مجتمعنا يحاول أن يقوم بخطوة إلى الأمام، وهو الآن في مرحلة «رفع القدم». ولكن الأثقال الكثيرة التي يحملها على كاهله من تقاليد بالية وعصية، تحول دون إتمام هذه الخطوة، ليجد نفسه في وضع دقيق جدا يسهل فيه الإخلال بتوازنه، وأخشى أن تطيح به «أعاصير» التكفيريين، بعد أن استجمع قواه أخيرا وكل ما في صدره من إصرار على القيام بتلك الخطوة.
فهل أستعد لخيبة الأمل؟ وأتبع نصيحة الشاعر المغربي عبد اللطيف اللعبي الذي قال في إحدى قصائده:
إن لم ترد
أن تتفاقم خيبتك
فاستعد للخيبة