«غامونال».. هل يكون بوعزيزي إسبانيا؟

17 يناير 2014 - 20:52

ولولا لطف التاريخ والجغرافيا بها لكانت أسوأ حالا من اليونان والبرتغال.. الدولة التي بفضل السوق الأوربية المشتركة ومونديال 1982 أنجزت القفزة المثالية، وعبرت نحو العالم المتقدم، دخلت الألفية الثالثة وهي تضع يدها على قلبها، وتنتظر السكتة القلبية في أية لحظة.

الجارة، التي توجد في أقرب نقطة من بلدان الربيع العربي، ويتجول في شوارعها شباب هذه البلدان، توجد بين مفكي الملقط، بين الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تخلخل أركان البلاد، وبين سياسة التقشف التي اختارتها حكومة ماريانو راخوي اليمينية، وبين شباب ينتقل لأول مرة من مجتمع الوفرة إلى مجتمع الندرة والفقر، ورغم أن إسبانيا توزع على سكانها مهدئات من قبيل «الليغا»، وتصريحات راخوي مثل: «باق من الزمن شهور ونخرج من الأزمة»، فإن ما حدث فيها خلال الأسبوع المنفرط ويحدث اليوم وسيحدث غدا ينبئ بشيء آخر، فالربيع ليس عملة عربية.

لنتأمل السياقات.. رئيس بلدية مدينة تدعى بورغوس، ينفق عشرة ملايير على تهيئة شارع، ينتفض سكان شارع «غامونال» لأنهم لا يجدون ما ينفقون على أكلهم وتعليمهم وتطبيبهم. الاحتجاج يمتد إلى مظاهرة ثم اثنتين ثم عصيان مدني، اعتقل على إثره 55 شخصا. رئيس البلدية يقرر إيقاف الأشغال «التبذيرية»، والمنطقة بأكملها تصبح رمزا.. ألا يشبه هذا السيناريو احتراق البوعزيزي في تونس ذات خريف؟

اشتعال شوارع إسبانيا أضحى هو الخبر الذي يطالعك كلما فتحت صفحة في الويب، أصبح علامة عن إسبانيا تناقلتها وكالات الأنباء، وتحدث عنها الصحافيون والسياسيون. طالعه أيضا شباب مدينة مليلية، الذين يسمونهم «الشباب المسلم»، فتفاعلوا وخرجوا، فأصيب من أصيب واعتقل من اعتقل، وأصبحت إسبانيا مهددة بالربيع العربي.

ورغم أنه يجوز لنا أن نتوقع ربيعا حقيقيا بإسبانيا بدل الذي مرت بروفاته عندنا، لكن السؤال يطرح: هل يخاف الإسبان من الانتفاضة، إلى درجة أن برلمانيا من حجم الزعيم اليساري، «كاسبار جيماساريث»، يخرج أمام وسائل الإعلام ويعلن أن المواجهات العنيفة بين الشرطة والسكان الغاضبين في بورغوس وفي مليلية، تدل على أن «إسبانيا توجد على حافة الانفجار الاجتماعي»، ويحذر الحكومة من السياسة التقشفية المتوحشة التي تتبعها.

لماذا يبادر فاعلون سياسيون آخرون إلى التدخل ودعوة الحكومة إلى أن تجد حلولا بدل أن تدفع الشباب إلى العنف، هل خوفا من انبعاث بوعزيزي جديد في حي «غامونال» الذي تحول إلى حي شهير، رفعته صحيفة «إلباييس» إلى مرتبة الحي الرمز في المقاومة المدنية، ومن «غامونال» إلى مدريد، ومن مدريد إلى مختلف المدن الإسبانية، وهناك جرحى وقنابل مسيلة للدموع ومعتقلون، لكن ما بين البوعزيزي و«غامونال» سنوات من الفكر والوعي والمواطنة، وبين فتيل أشعله رئيس بلدية أنفق من المال العام أكثر مما يجب على الإصلاح، وبين شرطية صفعت عاطلا عن العمل، مسافات من الأمل والألم. فعلا لو كنت إسبانيا وتأملت ما نسميه بالربيع لناشدت الحكومة ألا تعبث مع السكان الغاضبين.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي