المتنبي في قبة البرلمان

17 يناير 2014 - 21:50

وهي ترفل في بحبوحة الخطب السياسية الفرنسية وتدلف برلمانها من بوابة الاستشهاد ونشر قيم الإنسان والمعرفة والإبداع والعدالة والجمال والصدق والحب، والافتخار برموز الثقافة التي لم تنفصل عادة عن السياسة في أغلب الدول المتحضرة.

 وكم غبِطت البرلمان الكندي مؤخرا؛ وهو يُنصِّب الشاعر الكندي ميشيل بليو كسادس «شاعر رسمي» في البرلمان الكندي، منصب ثقافي مهم يمتد لسنتين، ويروم تشجيع الثقافة في المجتمع الكندي، وتعميم الشعر كي لا يظل نخبويا. 

 وكم تتعاظم سعادتي وأنا أنصت لتدخل البرلمانية والمحامية «بشرى برجال» بلغة أنيقة راقية، تُنسينا ولو لحظيا كبوات وهفوات نواب الأمة وممثلي الشعب المغربي السابقة واللاحقة.

  وكم سعدت، وأنا أبصر وعيا سياسيا بوظيفة الشعر في تمرير الرسائل، من خلال الاستشهاد بأشعار المتنبي والبحتري في برلماننا المغربي. لكن سرعان ما كبرت خيبتي، وأنا أرقب شعر المتنبي وهو يدلف المؤسسة التشريعية على صهوة الهجاء، وبرماح وسيوف السب والقذف، وفي فيافي وأحراش الصراع بين رئيس الحكومة  رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين الذي صوّب سهاما شعرية لاذعة من غمد المتنبي اتجاه رئيس الحكومة، هذا الأخير لم يتوان عن استعراض عتاده اللغوي، وسرعان ما تمت مؤازرته شعريا من باب التكافل والتعاون الحكومي والحزبي.

 وإن كنا نأمل مقاما سياسيا برلمانيا مشرفا ممثلا للأمة؛ مقام يليق بسلاسة البحتري وحكمة المتنبي  الذي «ملأ الدنيا وشغل الناس» بعيدا عن لذع اللسان وسلاطته، وبعيدا عن أي استعراض وبطولة وتفاخر كلثومي تخر له الجبابرة ساجدة.

للأسف، غابت حكمة المتنبي ورحلت سلاسة البحتري وحل الهجاء والفخر، ومضت رياح الحكومة بما لا تشتهي سفن المغاربة، الذين سرعان ما ارتطمت أحلامهم وانتظاراتهم على أرض الأداء الحكومي المتذبذب الذي تناسلت خطبه وزياداته وديونه وصراعاته…

جميل أن نحظى بخطبة برلمانية شهرية، وباستعراض لغوي حكومي، وبإبحار في بطون الشعر، ونفخر بلغتنا وهي تستعيد رونقها على لسان نواب الأمة، وهي اللغة التي طالما تاهت في دروب الأخطاء اللغوية، وزلت قدمها إلى حضيض الجهل والأمية، لكن، حبذا لو رافق بديع القول وبلاغته واقعية الفعل الحكومي وجديته ونجاعته، فعل لا يلوذ بالقصر ولا بالشرعية التاريخية ولا بخفافيش الظلام، وإلا، سنتساءل بدورنا شعريا ونستعير عجُزا لبيت شعري للمتنبي يقول فيه :»اليوم عهدكم فأين الموعد؟».

شارك المقال

شارك برأيك