القانون والكيمياء!

21/01/2014 - 20:23
القانون والكيمياء!

كان يمكن أن أقول لك  هذا الكلام في آخر لقاء جمعنا بك، لكنني آثرت أن يقرأه ويسمع به رجال القانون.

وأصدقك القول أن من جلسوا إليك حينها أحسوا بثقل المسؤولية التي تكبدت مشاقها لتزف لزملائهم خبر الزيادة في رواتبهم، وإذا كانت هذه البادرة لم تشمل فئة منهم. فإنهم جميعا إخوة وبنيان مرصوص. وهي مناسبة نتوجه إليك فيها بالشكر الجزيل، على أن تواصل عملك الجليل لتمطر شآبيب الزيادة على قضاة الدرجة الاستثنائية، وهذا ليس بعزيز عليك.

 ليس هذا ما أود قوله لك. فأنت عندما تَدُقُّ ناقوس الخطر على ما قد ينال هيئة القضاء من أدوار تعجل باندثارها، تَلْمَسُ موضوعا على قدر كبير من الأهمية. فالقاضي كان دوما وأبدا المؤمن الأمين المستشار الناصح، العلامة الفقيه، الخلوق المتخلق الأَنْقَى والأَرْقَى والأَتْقَى، ليس عندنا نحن بل في ذاكرة الإنسانية جمعاء، فمن الذي فت في عَضُدِ الهيبة والجلال، من الذي حوله إلى آلة صماء عمياء مذهولة، إنهم القضاة أنفسهم، وسأعطيك مثالا لهذه الهيبة التي تداس يوما بعد يوم.

منذ سنوات خلت فوجئت بمن يلقي في وجهي ملفا مدنيا، وهو يقول: لماذا لم تفض بفسخ عقد الكراء رغم ثبوت عدم أداء المكتري لالتزاماته؟ أَجَبْتُهُ بأدب جم: المطالبة القضائية لا ترتب  التماطل والفسخ. استشاط غضبا وتفوه بكلام غير لائق، فرددت عليه قائلا: أنا أتحدث معك من الناحية القانونية، زمجر قائلا: وهل تراني أتحدث إليك من الناحية الكيماوية؟، صَفَعَ الباب في وجهي وغادر إلى مكتبه الرئاسي.

هذا السلوك تكرر ولا يزال يتكرر بأشكال وأَدْوَارٍ أخرى:

ـ عندما يجبر القضاة زميلهم الملحق القضائي على تحرير أحكامهم بدلا من أن يستفيد من تجربتهم تحت طائلة التقييم السلبي بدفتر الملاحظات عند امتناعه عن ذلك!

ـ عندما لا يهتم المسؤول القضائي مطلقا بالجانب العلمي والأخلاقي لقضاته، ويضرب عرض الحائط باجتهاداتهم، بل ولا تكون له أدنى صلة بالجانب العلمي مطلقا!

ـ عندما تعي بعض العينات القضائية أن لسان من بيدهم زمام تزكيتهم أو ترقيتهم أو تكليفهم بمهام أسمى يَتَحَلَّبُ لتحقيق مآربه الشخصية، فيصبح عندنا القاضي المقاول والنادل والممون والممول!

ـ عندما يقول لك محام وأنت تحمل كتبك على سبيل المزاح: ماذا جنيت من هذا العَبَثْ، أنظر إلى فلان وفلان كيف صعدوا من السفح إلى القمة دون قراءة ولا كتابة ولا يحزنون.

ـ عندما لا يجد القاضي في محكمته أدنى رائحة للجد والاجتهاد، ويقف على رأسه رئيس غرفة لا يزور مَرْفِقَهُ إلاّ لمَاماً بدون حسيب رقيب!

ـ من أين إذن تأتي الهيبة، هل هي قُفَّازٌ  سحري؟ لا. هذه التراكمات التي عرفها القطاع أدت فعلا إلى حصول احتقان وانزلاق، فالذين يفترض فيهم أنهم رجال ونساء التأطير تركوا الحبل على الغارب، وسمحوا للقاضي حديث العهد بالقطاع أن يسبح سباحةً حرة هنا وهناك، ويمثل أدوارا بطولية بلا إدراك ولا وعي، وصدق عندها القول:

إذا كان رب البيت للطّبْلِ ضاربا      فلا تَسْتَغْرِبَنّ للأطْفَال ساعة الرقْصِ

لا الأستاذ الفاضل مصطفى الرميد:

ـ عندما لا يجد القضاة الجدد من يؤطرهم التأطير الحقيقي الذي يليق بكلمة «قاض» تندثر الهيبة كما تندثر أشعة الشمس خلف أطراف النخيل ساعة الغروب، ونخشى أن يكون غروباً دائما. هذا ما أردت قوله لك.

 

 رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

Fmjc.maroc@gmail.com

شارك المقال