شاشة الوطن

21 يناير 2014 - 20:25

بهذا السؤال الجارح قرأ فرج الحوار فكرة المواجهة، تلك التي تكون رحاها في الذات، وكل حرب فيها لا ينبت في أرضها انتصار، فالحرب دائما هزيمة.

في مغربنا اليوم تأخذ المواجهة شكلا استعراضيا، كرنفاليا، يتحول فيه الوطن    لـ «بلاتوهات» تلفزيون الواقع، لنوع من المراهنة على صراع الديكة، حيث الانتصار دائما وجه لضريبة الدم.

هذا الرهان المسعور على خلق الفرجة لا يكترث كثيرا للثمن المدفوع. فالمطلوب دائما هو العزف على الإدهاش والضياع في التفاصيل تلك، كانت ومنذ القديم حيلة نابليون الذي قال: «لم أستطع إنهاء حرب «الفاندي» إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي. ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي. وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا».

هذا اللعب على ما  يتوافق مع اللاشعور الجمعي ومع المستوى الغرائزي هو ما يشكل جوهر العملة، التي يريد الساسة أن يشتروا بها  مقاعدهم في قمرة القيادة. لم يرتفع الخطاب السياسي المغربي يمينا ويسارا بلغة السياسة ولم يرتفع بأدواتها، وما يزال يلعب بلغة تتغذى على معجم عسكري، وعلى خطاب متهافت؛ ولا أقول شعبوي، لأن ما يشتق من الشعب عنوان فخر، لا محمول هوان وتحقير. 

الذين يغذون وعي الناس وتلقيهم بما يعتبرونه تلفزيون واقع، لا يكترثون للحفر العميق الذي تمارسه تلك التفاصيل التي يحقنونها في شرايين اليومي، حتى أن تحويل الواقع لصورة وتحويل الحياة لحلقة في برنامج، لا يعني عندهم نهاية وطن وبداية كذبة. وبوسعهم بعد مدة أن يصرفوا الناس عن الأسئلة المخصبة لواقع الحال لإغراقهم – وبإخراج متقن- في لجة تفاصيل، تجعل من عودة المواطن لبيته، دون اغتصاب أو سرقة أو اعتداء، إنجازا كبيرا، لا يهم بعده أي أمر من أمور السياسة والحكم والتدبير. وسيكون إنجازا ملفتا، أن تعود الأم للبيت، وتجد أن ابنتها لم يغتصبها الأب، وأن الطريق إلى الفرن آمنة من مختلسي أرغفة الجسد. سيكون إنجازا عظيما أن يكون ابنها هو الوحيد بين ألف طفل في المدرسة، لم يقترف جرم التدخين، ولم تسول له نفسه قضاء سحابة يومه في ضيافة العالم الافتراضي.

على أن هذا الطرح لا ينبغي أن يفهم كمناصرة لكل ما يعرقل صلتنا بالحياة، وما يكبل قدرتنا على كتابة التوق لمجتمع مدني، يتسيد فيه الإنسان. بل الجوهر هو ألا نجعل من الصورة المنتقاة دليلنا على الحقيقة، ونعوض بهوس التفاصيل قراءة كليات تنجب كل تلك المفردات وتغذيها بدم الوهم وترفعها بسلطان الخديعة. إن السلطة ليست مركزا فقط، كما وصفها ميشيل فوكو، بل تكمن في نقط تمارس جبروتها في كل ما يفلت من سلطان الرصد، فالتفاصيل رؤوس مدببة لسلطة كلية عرفت كيف تمكر.

لقد كان تشومسكي في كتابه- أسلحة صامتة لحروب هادئة- واعيا بكل هذه المحاذير، وهو يتحدث عن إغراق الناس في التفاصيل من شأنه أن يصرفهم عن القضايا الأساسية، ليعودوا مع البهائم للحظيرة في المساء.

 صناعة وعي زائف، سحل الواقع على نتوءات صور منتقاة تلك مقومات استراتيجية تعجل بالغربة في الوطن، وبتحويل المواجهة من مواجهة مع القاتل متمثلا في الجهل والقهر والجوع والمرض إلى مواجهة في الذات تشرد في التفاصيل، لتهب ذاتها طواعية لشاشة افتراضية وقودها الناس والوطن والحياة.

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي