لماذا يختار المخرجون المغاربة وجوها مغمورة لبطولة أعمالهم السينمائية ؟

25 يناير 2014 - 13:43

في الوقت الذي يعاني فيه ممثلون محترفون عطالة مسترسلة، ما يطرح السؤال حول المعايير الكامنة خلف ذلك، وقد حاولنا طرح بعضها من خلال آراء مجموعة من النقاد والمخرجين.

اتجه عدد من المخرجين المغاربة في اختيارهم لأبطال أعمالهم السينمائية إلى اعتماد وجوه مغمورة، وفي أحيان أخرى وجوه بعيدة عن مجال التمثيل، أو لم يسبق لها حتى الوقوف أمام عدسات الكاميرا، بدل اعتماد وجوه معروفة، وهو الأمر الذي يثير استياء مجموعة من الممثلين المحترفين، الذين يستمرون في حال عطالة، ويرون في الأمر إقصاء لهم، ويطرح التساؤل حول المعايير التي يعتمدها المخرجون في منح بطولة مطلقة لأشخاص لا علاقة لهم بالتمثيل. 

الناقد أحمد السجلماسي، في تقييمه للموضوع، يرى أن أهم أسباب نزوع عدد من المخرجين المغاربة نحو الاستعانة بوجوه جديدة بعيدة عن مجال التمثيل في أدوار بطولية لأفلامهم تعود لعدم تقنين المهن الفنية وخاصة التمثيل، الذي تحكمه بالأساس العلاقات غير مهنية، والاعتبار المادي بغرض التوفير، وعدم وجود منتجين حقيقيين للسينما، واعتماد المخرج بالأساس على الدعم الذي يحصل عليه من الدولة، «إذ يشغل المخرج منهم مجموعة من الشباب المبتدئ لأن ذلك لن يكلفه كثيرا، خاصة أن هؤلاء الشباب يقبلون الاشتغال دون شروط، بخلاف الممثل المحترف الثلاثيني أو الأربعيني الذي يرفض الاشتغال بأجر هزيل، ويطلب مبلغا محترما مقابل مشاركته، وهذا ما يُغيب عددا من الممثلين الجيدين والمقتدرين عن الشاشة السينمائية، ويدخلهم غياهب التهميش، بحجة أنهم مكلفون، هذا في الوقت الذي يرضخ فيه ممثلون آخرون مقتدرون لشروط المخرج بسبب ظروفهم المادية الصعبة، عاملين بمقولة: «اللهم العمش أولا العما»، يقول السجلماسي ويؤيده في ذلك نقاد آخرون.

 

كلفة الممثل المحترف أعلى من كلفة وجه جديد

بالإضافة إلى الاعتبار المادي، الذي يمثل هاجس فئة كبيرة من المخرجين المغاربة، الذين ولجوا عالم السينما بهدف الاستفادة المادية، دون أن يحركهم هم ثقافي أو فني، حسب رأي السجلماسي الذي أدلى به لـ« اليوم24»، هناك اعتبار آخر يهم فئة أخرى من المخرجين، وهم قلة، الذين يحاولون التجديد ويسعون باستمرار إلى اكتشاف مواهب جديدة، من خلال متابعة عروض مسرحية يكتشفون خلالها المواهب الصاعدة فيختارونها لأدوار سينمائية، أو في مناسبات أخرى شبيهة تتيح إمكانية اكتشاف مواهب جديدة يمكنها تقديم الجديد. وتلك فئة تنجح في النهاية في تقديم أعمال سينمائية محترمة. 

وتعليقا على فرضية كون المخرج يلجأ إلى وجوه جديدة باعتبارها أقل تكلفة بالمقارنة مع الممثلين المحترفين، قال المخرج سعيد الناصري، الذي أيد رأيي كل من عيوش وبنسودة، والذي اعتمد بدوره مجموعة من الوجوه الجديدة في أفلامه، آخرها في فيلمه «سارة» الذي لعبت دور البطولة إلى جانبه فيه عارضة الأزياء ليلى الحديوي، (قال)، في رد على «اليوم24» حول سؤال في الموضوع، إن هذه فكرة خاطئة، لأن تكلفة الممثل المغربي تتغير تبعا لقيمة الدور ولا تخضع لمنطق الاحتراف أو عدمه، بالإضافة إلى أن الوجه الجديد مكلف أكثر من حيث الجهد ومن حيث الزمن، فهو يكلف المخرج ساعات أو أياما أخرى ما يعني مصاريف أخرى، وهذا شيء لا يحدث مع الممثل المحترف.

من جانب آخر، أورد المخرج محمد عهد بنسودة، في حديثه لـ«اليوم24»، أن السينما المغربية لا تعتمد «نظام النجوم»، ولا وجود لوجوه أو وجه محدد يمكن المراهنة عليه لجلب الجمهور، معتبرا أن الجمهور المغربي لا يهتم بأسماء أبطال الفيلم في اختياره عملا ليشاهده، بل يأخذ بعين الاعتبار ما يسمعه عنه، معتمدا في ذلك على الحكاية أو الموضوع الذي يعالجه الفيلم وما يوفره له من فرجة، مضيفا أن أغلب الأفلام المغربية الناجحة لم تعتمد على وجه معروف، وإنما على وجوه غير معروفة بتاتا، ما يعني أن الجمهور المغربي هو من يحدد نوعية الممثل التي يجب أن يعتمدها المخرج، هذا الأخير الذي لا يبحث عن كفاءة الممثل كممثل وإنما في أشياء أخرى (مثلا أن يكون له وجه سينمائي، يشخص بتلقائية، يسير بسهولة).

مخرج «خلف الأبواب المغلقة»، الذي خرج مؤخرا إلى القاعات السينمائية، بنسودة، الذي اعتمد زينب عبيد بطلة لفيلمه في أول تجربة سينمائية لها، اعتبر أن لجوء المخرج إلى وجه غير معروف مرده إلى علاقة شخصيته بدور الفيلم، وبانتماء المخرج إلى مذهب سينمائي معين، كالمدرسة الإيطالية مثلا، التي تعتمد ثلاثة عناصر: الممثل غير المحترف والديكور الطبيعي والموضوع الاجتماعي، هذه العناصر، مثلا، تحتم على المخرج أن يختار شخصية واقعية من المجتمع الذي يعالجه الموضوع بدل اختيار ممثل، كما أن هناك سببا آخر وهو عدم توفر المواصفات التي يبحث عنها المخرج في الممثلين الموجودين في الساحة، وهو ما يضطره إلى البحث عنها خارج الوسط. 

 

السينما الواقعية  تحتاج أبطالا واقعيين

من جهته، المخرج نبيل عيوش الذي اعتاد أن يمنح وجوها مغمورة بطولات أعماله السينمائية، منذ أول تجربة له سنة 1991 حيث أسند دور البطولة إلى جمال الدبوز الذي لم يكن يتعدى عمره 14 سنة، وكان وجها مغمورا، انتهاء بعمله «يا خيل الله» الذي اعتمد فيه أبطالا واقعيين، قال لـ«اليوم24»: «في أعمالي كلها أفضل أن أقدم وجها جديدا، فكل دور جديد يحتاج إلى شيء مختلف، وفي الوقت نفسه أقدم وجوها معروفة تغني العمل»، موضحا أن هناك أدوارا تحتاج إلى ممثلين لأول مرة، ممثلين واقعيين عاشوا التجربة، «بالنسبة إلي في عملي «يا خيل الله»، آمنت بأن الشباب الذين عاشوا تجربة الكاريان هم الأقدر على أن يلبسوا أدوارا داخله، تبعا لدرايتهم بتفاصيله الدقيقة التي تمنح المشهد السينمائي، أثناء تجسيدهم لتلك الأدوار، مصداقية أكبر وإحساسا أعلى»، مضيفا أنه «حينما نتحدث عن أفلام تعالج مواضيع حقيقية لا يكون هناك أفضل من أداء أشخاص عاشوا التجربة نفسها، وهذا الأمر يزيد الصور إيضاحا، ويغني السيناريو أيضا. وحين أتحدث عن منحي فرصة لوجه جديد، فالأمر لا يتعلق هنا بعطاء من جهة واحدة وإنما من جهتين، من المخرج ومن هذا الوجه المشخص الذي لم يخبر فقط الواقع الذي سيشخصه لكن أيضا لديه القابلية والمؤهلات التي تخوله أن يكون ممثلا حقيقيا، وهو ما استندت إليه في انتقائي لممثلي أفلامي السابقة وما سأحرص عليه». 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي