موسم تسليم «الشُّنَط»

29 يناير 2014 - 20:38

 وقد مر هذا الحدث الإداري مثلما تمر أو تتوالى الكثير من الوقائع المهمة أحيانا في الزمن السياسي والاجتماعي العام للمغاربة، لكن القليل من يكترث أو بالأحرى يسأل ــ على هامش هاته الوقائع ــ عن طبيعة ما وقع وكيف؟ وما مدى تأثير هاته الأحداث على حياة جزء كبير من المغاربة وشأنهم اليومي؟ إذ تتغير كل مرة بين أيدينا، وفي مجالنا المحلي والوطني الكثير من الأشياء والوجوه في مناصب ومواقع الدولة والمسؤولية، لكن الاهتمام بما يتغير غالبا ما يظل مقتصرا على أسماء مَنْ جاء ومَنْ غادر؟ مَنْ تَرقَّى ومَنْ «تقهقر»؟ مَنْ انفتحت له «أبواب السَّعد» في مراقي السلطة ومعارجها، ومَنْ أصبح ــ بالتأويل المحلي ــ «خارج دائرة الخدمة» ودخل «الكَاراج» (أي عاد إلى مصالح الوزارة) حسب التعبير المُبتَكر أيضا لإبداعات القاموس السياسي الشعبي المغربي؟ 

قد لا تعني مثل هاته التغييرات في بعض مواقع السلطة ودواليبها الشيء الكثير بالنسبة إلى العديد من الناس هنا وهناك، لكونهم تعودوا على عملية أو مقولة: «شِي غَادي .. شِي جايْ .. وْديمَا مَا كاينْشَايْ»، على اعتبار أن العادة في المغرب أصبحتْ أيضا ــ بفعل الإحباطات المتكررة وغياب الثقة في الكثير من مؤسسات الدولة وأفعالها ــ  مسألة موازية لليقين أو بمثابة قناعة راسخة. لكن الجميل والمُلفت للنظر في كل ذلك ــ على الأقل ــ هو رصد هاته القدرة العجيبة لدى المغاربة أنفسهم على ابتكار وصفات وتوصيفات شافية لإحباطهم، ثم على تصريف هذه الكمية من يأسهم وقنوطهم من الإدارة والسياسة وأبطالها، والقذف بها خارج منطقة فرحهم البسيط الذي قد تصنعه إنجازات فنية ورياضية معينة ولا تصنعه أحداث سياسية. 

ومع اقتراب كل عملية تغيير حكومي أو إداري في البلاد بمراحلها الثلاث: من التكهنات إلى التعيينات إلى التنصيبات (تسليم السُّلط)، تَنْشط في المغرب (وخصوصا في المقاهي وأروقة المصالح الإدارية لمقرات الوزارات والولايات والعمالات) حركة واسعة من التأويلات والتعليقات و»القَفَشَاتِ» السياسية الشعبية والإعلامية، واستعدادات غير مسبوقة أحيانا، وأفعال وردود أفعال تستدعي الكثير من التأمل وأشكال القراءة السوسيولوجية والسيكولوجية لسلوك المغاربة تجاه هاته الأحداث. إذ تبدأ العملية ــ سواء بدافع الفضول أو من باب البحث والاطمئنان على منفعة مَّا ــ من تحريك الهواتف وتقنية «الغوغلاج googlage» (استعمال محرك «الغوغل Google» العملاق) التي أصبحتْ أيضا رياضة مغربية شعبية بامتياز، للاستفسار عمَّنْ يكون هذا المسؤول أو الوافد الجديد / القديم إلى منصب المسؤولية؟ وتَقَصِّي أصله وفصله وأسماء أقاربه وأصهاره وأصدقائه ومعارفه الذين يمكن التودد إليهم للوصول إلى «بَرَكةِ» المسؤول وتحقيق المَنْفعة. 

والغريب في الأمر كذلك أن الكثير من المغاربة قد يتحولون ــ بقُدرة قادر ــ في خِضَمِّ هاته التعيينات إلى لسانيين (بالمفهومَيْن العلمي والمَجازي) وبلاغيين وسيميائيين وسيميولوجيين. يبحثون ــ حسب أصول علم الدلالة المَحلِّي ــ عن الكثير من المعاني والعناصر الدالة، الظاهر منها والخفي، في مؤهلات ونقاط القوة والضعف كذلك في سِيَر المسؤولين الجدد / القُدامى و»بْرُوفَايْلاتِهم» الشخصية. فمنهم من يذهب إلى حد إنجاز قراءة مورفولوجية في اسم المسؤول، وربط الحروف المكونة لاسمه ببعضها وبدلالات معينة. منهم مَنْ يفرح ومَنْ ينتحب، ومنهم من يتسلى فقط، بخلط معاني الأشياء وقلبِ الطاولة. هكذا تشتغل سياقات المصالح وآليات الفكاهة أو التَّفكُّه السياسي المغربي ــ جنبا إلى جنب ــ على عتبات مَنْ سيحرثون أو سيُدِيرون تُراب الوطن.

الآن وقد مضى كلّ إلى حال سبيله، وصمَتَ السَّاسةُ والمحللون. ماذا نفعل نحن بكل هذه الصور التي بَقِيَتْ عالقة بأذهاننا وبِغُرَفِ الجلوس؟  ربما لا شيء غير أمنية بسيطة يشتهيها كل مغربي: نتمنى أن تكون هاته التغييرات في مواقع المسؤولية وفي المناصب تكليفا لا تشريفا كما يقال، ونتمنى على وُزرائنا ووُلاّتنا وعُمَّالنا المحترمين أن ينظُروا إلى السلطة باعتبارها مسؤولية وطنية وممارسة عادلة، وأن مهمة تنصيبهم في مواقع المسؤولية هي «تسليم لعدالة السُّلَطِ» وليست تسليما لـ»الشُّنَط» بتعبير إخواننا المصريين.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي