- جاء الانتقال من القصة القصيرة إلى كتابة الرواية متأخرا. فهل يعد هذا بمثابة أفق جديد لتوسيع الرؤية والصيغة السردية؟
*** بالتأكيد. تمنح الروايةُ الحريةَ أكثر لصياغة عالم متكامل وجسارات لا حدود لها، وتسمح بالتوصل إلى تناول كل الجزئيات والأوصاف والمصادر لتتسق كل هذه العناصر وتتلاءم لتشكل بناء جماليا مدهشا. لا شيء يعترض طريق السرد في الرواية، خصوصا إذا استغل على الوجه الفني الصحيح. الإيغال في المحيط الخاص والعام والاكتشافات والإدراكات والقراءة والمعرفة كلها تملأ فراغات السرد. إن الاستخدام الحاذق والفني لكل ما حوالينا يجعل من الرواية مدى لا حد له، وهو على العكس من تجربة القصة القصيرة التي تتسم بالتركيز والمحدودية.
أعتقد أن الانتقال من القصة إلى الرواية بالنسبة إليّ جاء في وقته المناسب، لأن النضج الفني لدخول أجواء الرواية لم يتحقق إلا مع « طريق الغرام ». نعم راكمت سبع مجاميع قصصية حاولت من خلال تيماتها وفضاءاتها أن أصل إلى مكامن الدهشة والفضول فيها، وإلى التناغم الممكن في تجسيد هذه العوالم في قصص قصيرة، لكن تبقى فتنة الرواية قائمة دوما لأن الإحساس العجيب بنزقيتها وانفتاحها وسلاستها مغرٍ دوما وجذاب وحافز على دخول المغامرة. لكن هذا لا يعني أنني أدرت ظهري للقصة، بل بالعكس لازلت أعتبرها قوة كامنة تنبثق منها كل الإلهامات والظواهر الأولية للكتابة والحياة.
- في روايتك « طريق الغرام »، تمّ الرهان على الصيغة الرسائلية. لِمَ تم اللجوء إلى هذا الاختيار؟
*** تمثل الرسائل في طريق الغرام شكلا فنيا إضافيا ونافذة مجازية ككتابة داخل الكتابة سمحت للبطلة بأن تخلق عالمها الخاص. وقد كانت نسقا فنيا ضروريا لاكتمال تفاصيل العالم الافتراضي الذي دخلته البطلة فوزية. إذ حتم البعد الجغرافي هذا التواصل، كما حتمته قصة الحب المجازية التي عاشتها فوز مع يوسف على النت، هو هناك في لندن وهي في آسفي، ولذلك كان من المفروض أن تكون هذه الرسائل قوة لغوية وروحية دافعة ومميزة، ومختلفة تماما عن لغة السرد في الرواية. لقد أسعدني تعليق الفنان المغربي نوفل البراوي حين كتب لي مرة معلقا بعد قراءته للرواية: « طريق الغرام » برسائلها تعتبر أجمل ما كتب عن الحب في المغرب.
- ألا تشعرين كروائية بأن إيقاع اللغة في هذه الصيغة بالذات كان واحدا رغم كون تبادل الرسائل يتحقق بين طرفين: امرأة ورجل عاشق؟
*** إيقاع الرسائل المتبادلة بين فوز ويوسف جاء مختلفا عن إيقاع الرواية بالمرة. كل الرسائل حملت ميسم الشعرية والعواطف. لغة بمجازات وظلال. كما حفلت أيضا ببعض التفاصيل الصغيرة التي كانت تشير بشكل ما إلى حياة البطل العراقي وثقافته وغربته. وأغلب هذه الرسائل الافتراضية جاءت من يوسف إلى فوزية. رسائل فوزية إلى يوسف قليلة جدا، لأنها هي من كانت تنتظر هذه الرسائل لتدخل بسلاسة عالم الحب من جديد. ولتمتص رسائل يوسف إليها بعذوبتها ولغتها الحانية، التأثيرات السيئة التي تركتها صدمتها في زوجها المثلي. وطبعا لأن الساردة واحدة أولا ورغم وعيها بضرورة أن يكون لها لغتها وليوسف لغته ثانيا، فقد ظلت الرسائل متميزة في النهاية داخل لغة الرواية ككل، لأنه لا غنى لها عن التوقد والاشتعال والحنين والشعرية في الحالين معا، سواء كتبها لها يوسف افتراضا أو كتبت هي هذه الرسائل إليه، لأنها في النهاية لعبت على الإيقاع نفسه والرغبة المشتركة في الحب والتواصل.
- يمكن القول إن الموضوعة المشتغل عليها تتحدد في الحب. لكن التناول جاء جريئا وقويا. ما رأيك؟
*** عالم الرواية ساحة التقاء للأفكار والرؤى والتصورات والطموح والتماهي والأمل والأحلام والتطلعات. منظومة متكاملة تسد كل الثغرات والفجوات في عملية السرد الممكن في الرواية، والطرح الجريء والشجاع للكثير من القضايا والأمور المغيبة جزء من هذه العملية ككل. لا يمكن ضمن هذا العالم المكثف والغني ألا نجد لغة مختلفة، ونبضا حيويا وإيقاعا ينبش في الرواسب والعيوب والأخطاء ثم نعمل على لجمه. إن الجرأة واجبة في كل عملي أدبي وفني وإبداعي، لأنها ترقى بنفسها إلى تعرية كل التأثيرات غير المرغوبة، بدقة الحس الذي يسمح بألا تكون هذه الجرأة فجّة وحافزا على الابتذال. أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من الجرأة بوصفها تأملا وخطابا وشعارات مدروسة وواعية، وخصوصا في الحب، حيث أنه لازال هو نفسه تيمة يلفها الغموض وتسيجها الكثير من النواهي واللاءات. إن الجرأة معبر أساسي نحو تلك البناءات الثقافية المتشابكة التي صاغها فكر، كان في يوم مدفوعا بتوجهات صارمة تمنع الحرية والديناميكية اللازمة للتطور. لذلك، حين تقول الرواية بطريقتها الخاصة كلامها في قضايا حسّاسة تتعلق بهذا المسكوت عنه، فهي بذلك تكون فنيا وجماليا وإبداعيا تقوم بجزء من أدوارها العديدة التي تلعب ضمن سياقاتها كرواية وكخطاب.
- ألم يكن من الأولى الاستغناء عن بعض الإشارات السياسية المغربية، مثلا إلى الاتحاد الاشتراكي، والتي يمكن اعتبارها بمثابة إقحام داخل الرواية؟
*** الرواية فضاء يسمح بالاشتغال على إشارات متعددة سياسية واجتماعية وثقافية. والسؤال الذي يمكن طرحه: هل هذه الإشارات مُقحمة أم أنها تشكل جزءا من تناقضات الفضاء ككل وببنائه. وللإشارة فقط، حاولت الساردة تقديم صورة موجزة عن الصراع السياسي الذي شهده مغرب الستينيات من القرن الماضي، أي بداية تكون المغرب الحديث، وكل من عاش هذه الفترة من تاريخ المغرب لابد أن يتذكر الصراع بين الاستقلال والاتحاد، والمقصود هنا، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. لم يكن الصراع فقط، صراع نخبة ولا قيادات، بل هو تمزق سياسي عاشته كل مكونات الشعب المغربي، ودخل بشكل من الأشكال إلى كل بيت مغربي. لذلك، فالإشارة إليه في سياقها السردي جوهري ويدخل ضمن محاولة عكس كل السياقات الممكنة التي تعكس واقع الحال، وتلعب على جعل الرواية تنشد تلك المحلية التي تعكس تفاصيل الواقع بكل أنساقه ورموزه ومصادره وخلفياته. إنه الواقع المغربي بكل امتياز.