طيور القفص

31 يناير 2014 - 19:26

نس استطاعت، بعد ثلاث سنوات من التخبط في مستنقع الصراعات السياسية التي لم تخل من دماء، أن تخرج رأسها من الماء لتلتقط الأنفاس إلى حين. فبعد تيه أخذ يطول، توصل الفرقاء التونسيون إلى التوافق حول دستور يبدو متقدما جدا إذا ما قورن بتاريخ البلاد والمنطقة كلها. إنه نص يبعث على الأمل لأنه ينص على حرية العقيدة وعلى المساواة التامة بين الجنسين ويفتح عموما الطريق أمام ممارسة ديمقراطية غير مسبوقة في العالم العربي والإسلامي. 

لكن هذا الأمل يظل واهنا مثل ضوء شمعة يتيمة في نفق مظلم، لأن التونسيين مقبلون على معركة أكثر شراسة من تحرير الدستور، تتمثل في جعل حروف هذه الوثيقة تتحرر من الورق الذي كتبت عليه، لتسير في شوارع ودروب تونس وتدخل بيوت التونسيين، وفي صدرها قلب مفعمٌ بنبضات الحاضر، وليس روح الماضي، وعلى جسدها رداء أنيق يليق بالعصر، وليس برقعا مستوردا من زمن غير الزمن.

وهذا يتطلب من التونسيين كسب معركة غير مرئية، ولكنها مصيرية، تتجلى فيما أسميه «سلطة التأويل». فمن يظفر بهذه السلطة سيلبس الدستور الجديد، الذي لا يخلو من التباسات، الملابس التي يراها مناسبة ويضفي عليه الروح التي يعتبرها الأنسب بالنسبة إليه. ولعل إدراك الإسلاميين التونسيين لأهمية هذه المحطة المقبلة هو الذي حذا بهم إلى التراجع خطوة صغيرة إلى الوراء بعد أن اشتد عليهم الضغط داخليا وخارجيا، وقبول القيام بـ»تنازلات» كان يستحيل عليهم الإقدام عليها. وسيحاولون على الأرجح، توظيف كل ما في خطابه المعتمد على التهييج والتخويف لكسب هذه المعركة، وبالتالي، حجب نور تلك الشمعة الواهنة.

أما في مصر، فما جرى يبعث فعلا على الحيرة، فهل تعب المصريون من تيه السنين الثلاث الماضية، وهي مدة قصير جدا في حياة الشعوب، وأخذوا يفضلون الغطس مجددا وبرضاهم في مستنقع الديكتاتورية الذي أخرجتهم منه ثورة 25 يناير، وكان يمكن أن تخلصهم منه بشكل نهائي ثورة 30 يونيو 2013؟

هل فهموا الشاعر الكبير «أمل دنقل» فهما سطحيا خاطئا عندما قال: ليس ثم من مفر/ لا تحلموا بعالم سعيد… هل كفروا بإمكانية وجود عالم سعيد، وأرادوا أن يحققوا على الأرض قوله إن «خلف كلّ قيصر يموت.. قيصر جديد»؟. حقا لا أملك جوابا، وإن كانت الوقائع توحي بما يخيف.

فهذا آخر ما كنت أتمنى أن أراه من مصر التي في خاطري. مصر التي أتحفتني شخصيا بكبار مثل إبراهيم أصلان، وسعيد الكفراوي، ونجيب محفوظ، وغيرهم.. مصر التي أعرف بعض الفصول من تاريخها الحديث أكثر مما أعرف ربما عن تاريخ هذه البلاد التي أنتمي إليها. 

صحيح أنها لم تكن يوما مثالا للديمقراطية، ولكنها على كل حال، تعرف كيف تنفخ في الجذوة الواهنة لحماسنا. ولعل هذه الجذوة هي التي تدفعني إلى التشبث بخيط واهن من الأمل وأقاوم تصديق تلك المقولة التي عثرت عليها مؤخرا في الفيسبوك والتي تقول إن «الطيور التي تولد في القفص تعتقد أن الطيران جريمة».. ولكن إلى متى؟

شارك المقال

شارك برأيك
التالي