جنيف ٢ حصيلة الأيام التسعة

06 فبراير 2014 - 10:12

وحتى الجولة الثانية من المفاوضات التي أعلن الوسيط الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي عن انعقادها في 10 فبراير 2014، تبدو غير مؤكدة بعد أن "ربط" وفد النظام مشاركته بقرار الرئيس السوري بشار الأسد. ومع اختتام الجولة الأولى، بدأت التقييمات والتساؤلات بشأن حقيقة النتائج التي تحققت، وهل أصابت المعارضة أم أخطأت في المشاركة؟ وهل استغل النظام المؤتمر للتصعيد ميدانيًا؟ وهل ثمّة تغيير في الموقف الروسي بعد الإعلان عن زيارة يقوم بها وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السوريّة إلى موسكو في 4 فبراير 2014؟

انخفاض سقف التوقعات

في ظل الاستقطاب والفجوة العميقة التي تفصل بين النظام السوري والمعارضة وانعدام أي نقطة لقاء بينهما، لم يكن لدى أي من الأطراف التي حضرت مؤتمر جنيف 2 أي أوهام بشأن ما يمكن أن يتحقق خلال الجولة الأولى. ففيما اكتفت الأمم المتحدة والدول الراعية للمؤتمر بمحاولة كسر الجليد وجمع الطرفين في قاعة واحدة وجعل بيان جنيف 1 الأساس لعملية التفاوض، حاول طرفا الصراع من جهتهما تحقيق مكاسب إعلامية ودبلوماسية في ظل العجز عن تحقيق اختراق على صعيد القضايا السياسية، وحتى الإنسانية.

موقف النظام

استبق النظام السوري المؤتمر بإعلان تحفّظه عن نص الدعوة الرسميّة بذريعة أنها لا تلبي "تطلعات" الشعب السوريّ، داعيًا إلى التركيز على "محاربة الإرهاب". فالنظام لم يكن متحمسًا لانعقاد مؤتمر جنيف 2 وبخاصة أنّ غرضه "تشكيل هيئة حكم انتقاليّة كاملة الصلاحيات". ويبدو أنّ ترحيبه في وقت سابق ببيان جنيف 1 وموافقته على حضور جنيف 2 من دون شروط، كان لتجنب إحراج حلفائه الروس، وإظهار المعارضة وداعميها بوصفهم "عائقًا" أمام التسوية السياسيّة. ولمّا تأكّد انعقاد المؤتمر، سعى النظام لحرفه عن مساره مستفيدًا من الدعم الروسي، ومن تحسّن وضعه الميداني خلال النصف الثاني من عام 2013، وكذلك من رفض إيران الاعتراف ببيان جنيف 1. كما وظّف النظام قبول الدول الداعمة للمعارضة بفصل المسار السياسيّ عن العسكريّ الميدانيّ خلال المفاوضات لمصلحته، فاستمر في قصف حلب، وحاول التقدّم في المدينة وفي محيط مطارها، مستفيدًا من انسحاب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" من بعض الجبهات، وتفرغه لقتال كتائب المعارضة. كما حاول الانتقام من مدينة داريا لرفضها شروط الهدنة التي اقترحها (على غرار ما جرى في المعضمية وبرزة) وبسبب صمود مقاتليها، ولا سيما بعد إسقاطهم مروحيّة حربيّة، وإفشالهم الحملة العسكريّة التي بدأها النظام ضدها مؤخرًا. أما حمص القديمة، فقد جدّد النظام قصف أحيائها للتنصل من موافقته في جنيف على إدخال 12 شاحنة من المساعدات الإنسانية، وتأمين خروج آمن للنساء والأطفال. وقد بلغ عدد القتلى خلال أيام الجولة الأولى 602 شخصًا، وذلك بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. ويعني هذا أنّ معدّل القتل بقي على حاله كما كان قبل المؤتمر، ما يؤكد على نقطة الفصل بين ما يجري على الأرض وبين مجريات العملية التفاوضية، وكأنّ المفاوضات تقع خارج الزمن الذي يعيشه السوريون تحت القصف.

وانطلاقًا من حرية العمل ميدانيًا التي تَحَصَّلَ عليها كأمر واقع في ظل اللامبالاة الدولية الفعلية، سعى النظام لقلب أولويات المؤتمر؛ فرفض الاعتراف بمرجعيته، وقدّم ورقة أخرى كي تشكّل مرجعيّة بديلة[1]. لكنه عاد – تحت ضغط روسي – فقَبِلَ بيان جنيف 1، على الرغم من أنه اشترط مناقشته بالترتيب، قبل الانتقال إلى البند التاسع المتعلق بهيئة الحكم الانتقالي. كان هدف النظام واضحًا وهو إطالة أمد التفاوض، وحرف مساره نحو ما يسمى "مكافحة الإرهاب" وإغراقه بالتفاصيل، وهو نهج نجح فيه خلال تعامله مع المبادرات السابقة، وذلك في تقليدٍ لأسلوب التفاوض الإسرائيلي في تجزئة الملفات والفصل بينها، مع فارق جوهري يتمثل في التجاهل الدولي الكامل لوحشيته وتدميره المدن بالبراميل المتفجِّرة[2]. ومن المعروف أنّ إسرائيل تعتبر "الإرهاب" قضية قائمة بذاتها وترفض ربطها بمسبباتها، وتشترط أولًا وقفه ومكافحته قبل الحديث في أي شأن سياسي. هكذا تسمي إسرائيل مقاومة الاحتلال "إرهابًا" لا علاقة له بالاحتلال، وهكذا يسمي النظام السوري العمل المسلّح المشتّت ضده "إرهابًا"، علمًا بأنّ السلاح لم يُرفع في وجهه إلا بعد ثورة سلمية دامت أكثر من عام، وتعرّضت لكل أشكال القمع وأعلى درجات العنف.

وفي جانب آخر، اعتبر النظام المؤتمر احتفاليّة إعلاميّة توفِّر له فرصة التواصل مع وسائل الإعلام والرأي العام الغربي. واهتم وفده بعقد المؤتمرات الصحفية (3 إلى 4 مؤتمرات يوميًا) أكثر من اهتمامه بحضور جلسات التفاوض. كما اصطحب وفدًا ضخمًا ضم نحو 50 إعلاميًا، ملؤوا قاعات المؤتمر الصحفية حتى يبدو الأمر بأنهم طرف ثالث يسألون أسئلة ودودة، وهم في الواقع لم يكونوا غير صحافيي النظام الذين لا يختلفون كثيرًا في التعاطي مع الأزمة عن موظفي مخابراته.

موقف المعارضة

نتيجة ضغوط دوليّة ووعود أميركيّة بإعادة النظر في تسليح المعارضة "المعتدلة"، شارك الائتلاف في جنيف 2 من دون توقّع نتائج سريعة أو كبيرة. وفي ضوء ذلك، سعى الائتلاف الوطني لتحقيق أهداف مرحليّة تتمثل في إعادة تكريس نفسه كممثل "مدني" للثورة السوريّة، و"تعرية" النظام أمام الرأي العام بصفته طرفًا غير جاد في طلب التسوية، فضلًا عن وحشيته ولاإنسانية في التعامل مع المدنيين من أبناء شعبه.

وبخلاف التوقعات، وعلى الرغم من قلة التحضير والخبرة، كان أداء وفد المعارضة السياسي والتقني مقبولًا قياسًا بالتجارب السابقة، ما أكسبه تأييدًا شعبيًا وزخمًا دوليًا، لكنه يحتاج إلى أن يُترجم ذلك إلى نتائج ملموسة على الصعيدين الإنساني والسياسي. وفي العموم، يمكن القول إنّ المعارضة نجحت في أمور وأخفقت في أخرى؛ فقد نجح وفد المعارضة في منع تشتيت المفاوضات، والتأكيد على مرجعية التفاوض وإجبار النظام على الاعتراف بجنيف 1. لكنه، من جهة أخرى، وبخلاف وفد النظام، لم يعر اهتمامًا كبيرًا للتواصل مع وسائل الإعلام الغربية، بل ركّز على وسائل الإعلام العربية، في حين كان يتعين عليه أن يستثمر وجوده في جنيف لمخاطبة الرأي العام الغربي بشكل مدروس. وعلى الرغم من التحسّن في الأداء وعدم تسجيل إشكالات حقيقية، فإنّ أداء المتحدثين باسمه اتسم بالارتجالية والافتقار إلى الخبرة في مخاطبة الرأي العام؛ إذ أصرّ السياسيون أن يؤدوا أيضًا دور الناطقين الإعلاميين، في حين غاب الناطقون المهنيون عن الوفد.

الأطراف الراعية

كان عقد المؤتمر في موعده المحدد بحضور دولي واسع يمثل الهدف الرئيس للدول الراعية (أميركا وروسيا) وكذلك الأمم المتحدة. فقد كان اقتناع هذه الأطراف يتمثل في أنّ الأزمة السوريّة بتعقيداتها وتشعباتها لا يمكن "حلها" أو تحقيق اختراق كبير في تسويتها من الجولة الأولى أو حتى في المدى المنظور. لذلك، غادر الوفدان الروسي والأميركي مكان انعقاد المؤتمر، ولم يتدخلا في مسار التفاوض وجلساته إلا عندما تعقّدت الأمور برفض النظام بيان جنيف 1، وتزايد احتمال انسحاب أحد الطرفين أو كليهما من المؤتمر، فاضطر الوفد الروسي إلى العودة من موسكو، والتدخل لإقناع وفد النظام بقبول جنيف 1 والموافقة على مناقشة الهيئة الانتقاليّة، لكن سرعان ما تبدّى من سلوك وفد النظام وتصريحاته أنّ هذه الموافقات لم تتعدَ الجانب الشكلي، وجاءت لتلافي إحراج النظام لحلفائه.

أين تمضي الأزمة من هنا؟

يشكّل انعقاد مؤتمر جنيف 2 بداية لانطلاق مسار تفاوضيّ يمثل "الطريق الوحيد" المتفق عليه حتى الآن لحل الأزمة السوريّة في ظل عدم وجود بدائل أخرى كالتدخل العسكريّ أو تفكك النظام أو هزيمة المعارضة. لذلك، فإنّ الأطراف الراعية سوف تصرّ على استمراره حتى إن لم يحقق نتائج سريعة، لأنّ توقفه والاعتراف بفشله يعني اتخاذ قرارات لا أحد يريد اتخاذها. وبناء عليه، يمكن أن يفيد جنيف 2 في تحقيق إحدى الغايتين:

أولًا، حل الأزمة: يمثل حل الأزمة السوريّة هدف عددٍ كبيرٍ من الأطراف حتى لو كانت فرص تحقيقه ضئيلة؛ فثمة قوى دولية وإقليمية جادة في رغبتها في إنهاء النزاع، لأنّ تداعياته لا تقتصر على الجانب الإنسانيّ داخليًا، بل أصبح نزاعًا إقليميًا تتصارع فيه قوى عدة لتعزيز نفوذها وحمايّة مصالحها. ونتيجة للتنوع الإثنيّ والدينيّ في المشرق العربيّ، فقد تلبّس الصراع السوريّ بلبوس طائفيّ، وصار يظهر في بعض صوره – بحكم الاصطفافات الإقليمية – كأنه صراع سنيّ – شيعي. إنّ استمرار الصراع قد يؤدي إلى انفجار إقليميّ ذي انعكاسات على النظام الدولي؛ فقد يؤدي إلى تفتيت المنطقة، وإعادة رسم خارطتها الجغرافيّة. وانطلاقًا من ذلك، قد تجد القوى الدوليّة في جنيف 2 فرصةً لإنهاء الصراع، وتجنّب احتمالات تصعيد غير محسوبة.

ثانيًا، إدارة الأزمة: قد يشكّل جنيف 2 مدخلًا لحل الأزمة، لكنه قد يشكّل أيضًا أحد أدوات "إدارتها" إذا تعذَّر الحل. وهنا مكمن الخطر؛ فإدارة الأزمة تعني استمراريّة الصراع، ولكن مع "حصره" في نطاقه الجغرافيّ، لتبقى المصالح الحيويّة للقوى الكبرى أو حلفائها بمنأى عنه، كما يساعدها ذلك في عدم تحمّل أعبائه؛ متذرعة بوجود مسار سياسي تفاوضيّ يجمع أطراف الأزمة. ومن ثمّ، يكون دور هذه القوى حثّ الأطراف على التفاوض، وتقديم المبادرات، وعقد الاجتماعات الدوريّة من دون "حسم"، في مشهدٍ يكرر سيناريو المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية. إنّ هذا الاحتمال له فرصه ومبرراته في ظل سياسة إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الخارجية القائمة على الانكفاء عن التدخل المباشر طالما لا يشكّل الصراع تهديدًا مباشرًا للأمن القومي للولايات المتحدة، وما تصريحات مسؤوليها، كالسفير روبرت فورد الذي أبلغ وفد الائتلاف بأنّ "مسار جنيف 2 شاق وطويل وقد يستغرق عامًا لتحقيق نتائج جدية"[3]، إلا مؤشر على أنّ الأمور قد تذهب إلى هذا الاتجاه. من جهة أخرى، يتوافق هذا الاحتمال مع رؤية إسرائيل للصراع السوريّ، ورغبتها في استدامته لتدمير قدرات سوريّة. أما إيران، فترى في سوريّة "معركة وجوديّة" لا يمكن أن تخسرها. وتعتقد روسيا أن لديها القدرة على التعامل مع تطورات الصراع السوري واحتمالاته ما دام محصورًا في الداخل عبر مداخل مختلفة مثل "حماية الأقليات". بناء على ذلك، لا يُتوقَّع أن يلمس وفد الائتلاف تقدمًا في الموقف الروسي خلال زيارته موسكو، بل على العكس، يبدو أنّ روسيا متجهة نحو خلق مزيد من الإرباك بتوجيه دعوات منفصلة لهيئات وشخصيات من المعارضة، للإيحاء بأنها تتواصل مع مختلف الأطراف، تزامنًا مع دعواتها الأخيرة إلى إعادة تشكيل وفد المعارضة إلى مفاوضات جنيف ليشمل شخصيات من معارضة الداخل. إنّ روسيا ترغب في إثارة نقاش بشأن ضرورة توسيع وفد المعارضة لكي تنتقل الضغوط الدولية من النظام إلى المعارضة من جهة، ولخلق خلافات داخل الوفد في الجولة الثانية من جهة أخرى.

في ظل هذا المشهد، ومن أجل تحقيق نتائج أفضل خلال الجولات القادمة، يتعين على المعارضة السوريّة أن تستمر في التركيز على أن يكون هدف التفاوض الرئيس هو تشكيل هيئة انتقاليّة كاملة الصلاحيات، والمطالبة بتحديد جدول زمنيّ للمفاوضات والمرحلة الانتقاليّة. وبشكل متزامن، يتعين ترتيب البيت الداخليّ ضمن الائتلاف وإصلاحه، بما في ذلك دعوة المنسحبين بعد انتخابات الائتلاف الداخلية الأخيرة للعودة، وزيادة التنسيق مع القوى العسكريّة والمدنيّة في الداخل بما يسهم في تجاوز غياب الإجماع داخل هيئات المعارضة بشأن المشاركة في المؤتمر، وبما يعزّز موقف الائتلاف وحضوره في جولات التفاوض المقبلة؛ فعلى الرغم من جلوس الوفود إلى طاولة المفاوضات، لم تتولد حتى الآن آليات ضغط حقيقية سوى الوضع الميداني. لذلك، لا ينبغي أن تنشغل المعارضة كثيرًا بتركيبة وفدها ومستوى الكفاءات والخبرات التي يتمتع بها، أو أي تكتيكات تفاوضية عالية يمكن أن يستخدمها، فلن يؤدي هذا إلى تغيير في موقفي روسيا والنظام في هذه المرحلة. إنّ المطلوب الآن هو الإصرار على الموقف المتعلق بآلية الانتقال من النظام الحالي إلى نظام ديمقراطي تعددي، وشرح جرائم النظام قبل الثورة وبعدها بصدقية عالية ووثائق مؤكدة. وفي هذه النقطة تحديدًا، يجب أن يحسِّن الائتلاف أداءه في التعاطي مع وسائل الإعلام، ولا سيما الإعلام الغربي حتى يتمكّن من إيصال الرسالة المطلوبة خلال الجولات القادمة. أخيرًا، من المهم – بالتوازي مع العملية التفاوضية – الاستمرار في العمل على تعزيز وضع حكومة الائتلاف كمؤسسة تنفيذية، وترتيب وضع الائتلاف كبرلمان للشعب السوري، وبذل الجهد كله على الأرض بالتنسيق مع الدول الداعمة للثورة لانتهاج بدائل أخرى في حال فشل مؤتمر جنيف 2 في تحقيق أهدافه أو في حال تعثّر مساره.

 

المركز العربي لدراسة السياسات 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي