صرخة بوزفور

08 فبراير 2014 - 17:58

يده على جرح غائر في أدبنا المغربي عموما، في شكله ومضمونه. في الواقع، يمكن أن تشكل مقالته "كتابا أسود" يرصد انزلاقات وتعثرات ليس الأدب فحسب، بل الثقافة بصفة عامة. وهي تتقاطع مع مجموعة سابقة من المواقف الفردية، التي عبرت عن تراجع هذه الثقافة. لعل آخرها السؤال الحارق الذي طرحه الشاعر العراقي سعدي يوسف وأثار حينها سجالا عقيما على الفايسبوك: "هل لا زال الشعر المغربي يقول شيئا؟"

مقالة بوزفور ذات وجهين، أي أنها تتناول جوانب ذاتية وأخرى موضوعية في الثقافة المغربية (ونحن نعمم هنا، على اعتبار أن التخريب الذي أصاب القصة المغربية هو ذاته الذي أصاب الثقافة المغربية عموما). مما لا شك فيه أن انحصار الأدب والفكر المغربيين- داخليا على الأقل- راجع بالأساس إلى انفراط عقد التزام الكُتاب بالقضايا الحيوية والأساسية للمجتمع، وانسياقهم وراء أشكال الكتابة. ذلك أن موضوع الكتابة أصبح غفلا، بتركيز الكاتب على مواضيع لا تمت بصلة إلى المعاش اليومي. وربما هذا المقصود من كلام الشاعر العراقي. إذ إنك لا تستطيع أن تتعدى الصفحات الأولى أثناء قراءة مجموعة من الكتب المغربية. لا بد، إذن، أن يعود الكاتب إلى "خلوته"، كما قال بوزفور، من أجل أن يكتب ما يمتع القارئ ويغريه. إذ الكتابة هي غايته الأولى والأخيرة.

الوجه الثاني الخارج عن ذات الثقافة مرتبط بما تسرب إلى شرايينها من مكروبات، بحسب تعبير بوزفور. عوامل هذا التسرب تكمن، كما قال هذا الأخير، في إعطاء الأهمية للكاتب بدل كتابه، والسعي وراء اللقاءات بدل الكتابة، الخ. والأخطر من هذا تهافت عدد من الانتهازيين والرديئين وأشباه الكتاب- أو "كتاب التلاوات"، بحسب تعبير الراحل محمد زفزاف- على الكتابة والاحتفاء بالكتاب كي يظفروا بكعكة الريع الثقافي، الذي اتخذ شكل دعم مالي من الدولة والخليج. إذ أصاب هذا الريع على امتداد حوالي عقدين الثقافة المغربية في مقتل (نذكر هنا أن وزارة الثقافة خصصت 10 ملايين درهم لدعم الكتاب والنشر خلال سنة 2014).

تستحق مقالة بوزفور وقفة تأمل، بل إنها تستحق أن تعقد في مضامينها ندوة موسعة، لأنها تنبه إلى أعطاب الثقافة المغربية وأشكال تخريبها. ألا يعتبر بوزفور حكيما وعارفا بالثقافة، وخاصة بالأدب، قديمه وحديثه؟ ألا يستحق منا الإنصات إلى صرخته؟ أم ننتظر أن يخرج علينا أحدهم بعجب عجاب، سعيا وراء مصلحة ذاتية، مثلما فعل نور الدين عيوش قبل أشهر؟

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي