الأحْـــــوَل!

11 فبراير 2014 - 22:06

أمّا صاحبي فقد طلب منه رئيسه الأحَوَل أن ينادي على زميل له والحال أنه المعني بالنداء، فاختفى وراء الباب وعاد إليه قائلا: هل ناديت عليّ، وواصل الحديث معه!

 إذا كانت النازلتان معا تعكسان عيبا خِلقِياً لا سلطان للمُبْتَلِينَ به، فإن الحَوَلَ المَعْنَوي يفقد المُعاق به البصر والبصيرة، فيصرفه عن سواء السبيل إلى الهوامش والحواشي بِسَبْقِ إصرار وترصد! فإذا اجتمعا معا في شخص واحد: الحول الخِلقِي والخُلقِي، فقل على المجتمع السلام.

الحول المعنوي، هو ذلك السلوك الشاذ الذي يتعمد المُبتلى به ضبابية الرؤية لعجز أو مصلحة أو حسد وغيرة، فيسد دون النّاس المنافذ كما يسد الحَوَلُ عن المُبْتَلى به سواء النظر.

أنظر إلى الحول وقد ترْجَمَهُ أحد الصحفيين عندما صحّح معلومة لفنان كبير ظل طلية الحوار يؤكد استعداده للذهاب إلى الأردن للتضامن مع هذا البلد، والحال أن الحرب في سوريا وليست في الأردن!

هذا، وبدت ظاهرة الحول المعنوي في أبْهَى صورها عندما سألت متبرعة شَرِكَة لحليب الأطفال عن نوع الحليب الذي ينفع هذه الفئة، في الوقت الذي انفرد القائم بأعمالها على أخذ صورة لها بجوار علب الحليب المُسْتَشْهَر، ليكون ما سلمته باليمنى تَبَرُّعاً أخذته مضاعفا باليُسْرى إشهاراً !!

ومن الحَوَلِ الثقافي ما حكاه الشاعر الكبير كامل الشاوي عن الكاتب الفيلسوف لويس عوض، فقد أوهم الشاعر أحد المخرجين السنيمائيين المحسوبين على الثقافة أن الكاتب لويس عوض ممثل مشهور، وقد اعتزل الفن احتجاجا على تسلط المخرجين، وهو يجيد الأدوار الغرامية، ورجاه أن يقنعه بالعودة إلى جمهوره لأنه في أمس الحاجة إليه، فكانت العاقبة أن تلقىَّ المخرج الشهير وابِلاً من السباب لجهلِه المطبق بالكاتب الفيلسوف.

في معظم نواحي الحياة تتكرر ظاهرة الحَول هذه، أمّا أسبابها فَمَرَدُّهَا الجهل والغيرة والحقد والأنانية، وما شابه ذلك من أدواء النَّفْس الأمّارة بالسوء. إذ بواسطتها يشتغل الجزار ميكانيكيا، والطبيب إسكافيا، والراقصة أديبة، والفيلسوف بهلوانا، والتاجر رياضيا، والجاهل مثقفاً! ووفق منهجها تجدنا نبحث عن الحاضرين، نراهم بأعيننا وتَزْوَرُّ عنهم بصيرتنا بحثًا عن الغائبين، وقد عبر عن ذلك الدكتور طه حسين عندما أطلَّ من شرفة مكتبه على جموع من الطلبة المغرر بهم وهو يصيحون: «ليسقط الأعمى»، فقال قولته الشهيرة: «الحمد لله إنني أعمى حتى لا أرى وجوهكم» !! كان طه حسين بصيرا بِعَقلِه وفؤاده، أما الأحْوَل عندنا، فقد بنى خيمة وسكن بجوارها، وصبغ جِدار منزل جِيرانه بدلا من صباغة جدار منزله، و»حجز تذكرة السفر إلى اليابان لرغبته في العمل باليمن»!!!  

 رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك
التالي