رقَّ الطبيب...

13/02/2014 - 21:00
رقَّ الطبيب...

 لا يُسعفه الكلام، فقد غار صوتُه تحت وطأة الآلام والأيام وظُلم الأنام. يحاول أن يستجمع بعضا من جُمله وأفكاره، لكن الحارس ينهره، ويطلب منه الإسراع بالإفصاح عن حاجته، وعدم إضاعة وقته! ثم يدفعه جانبا، ليفسح لـ«المستخدمين»، أو بالأحرى «الپيرصونيل»، كما نطقها بلغة فهمها الشيخ العليل، لكنه لم يفهم كيف تسنّى له أن يكزه، ولو برفق، وهو الذي نخرته السنون، وتتربص به المنون! تفرّس الشيخ في «المستخدمين»، فلم يجد غير رجل يحمل حقيبة جلدية؟! انتفض فجأة، كمن «ركبته» جنيّة، فصرخ في وجه الحارس متسائلا عمن يكون هذا القادم الذي من أجله يُدفع المرضى، الذين هُم غاية وجود المراكز الاستشفائية! لم يتأخر جواب الحارس الغليظ الشديد، فرد بأنه «طبيب»! سكت الشيخ لحظة كأنه يلملم، في ذاكرته، بقايا صور متشظية، ثم قال بنبرة الخطيب: «طبيب؟! هل تعرف معنى هذه الكلمة في اللغة العربية أيها اللبيب؟ إنها تعني، من بين معان كثيرة، الرفيق والحاذق في عمله، طبيبا كان أو غير طبيب! رحمك الله أيها الطبيب الشاعر السوري وجيه البارودي! لقد قلتَ يوما: «أتيت إلى الدنيا طبيبا وشاعرا.. أُداوي بطبي الجسم والروح بالشعر‏.. فأسقيه من روحي رحيقاً ومن يدي‏.. مريراً فيُشفى بالرحيق أو المرّ‏.. وأنشأتُ بين الطب والفقر ألفة.. مشيت بها في ظل ألوية النصر». رحمك الله، لم تحنث بقَسَم أبقراط، وسرت على أَقْوم صراط، تحت لواء النصر، تحفّك ملائكة البشر، وتُشيِّعُك ملائكة السماء، في معراج روحك إلى بارئها المُصوِّر». كلمات نفذت، بسرعة البُراق، إلى الطبيب الذي بدا عليه الاستعجال في الانطلاق، قبل أن تستوقفه كلماتُ هذا الشيخ الوقور، رغما عن مظاهر الإملاق. أما الحارس، الذي يبدو أنه لم يفهم كلمة واحدة من ذلك الإنشاء، فقد انشغل بإدخال من يشاء، ومنع من يشاء، في مكان لا يقصده أصلا إلا من هُم في حاجة إلى الاستشفاء! «كلام جميل، من رجل مثقف جليل، لكن، وجَّهه إلى طبيب يفني نفسه من أجل مرضاه!…»، هكذا قال الطبيب، قبل أن يقاطعه الشيخ الذي يُداري بلواه، وتفضحه ارتعاشة يسراه، والتركيز العصبي على عكازه بيُمناه، «لستُ من المثقفين، بل أنا مجرد واحد من المتقاعدين. معاشي لا يكفيني للتنقل عبر سيارة خاصة، إلى مصحة خاصة، حيث العناية «الخاصة»! وحتى لو كان لي مال، هل كنتُ يمّمت وجهي إحدى تلك المصحات؟ مُحال!! لأن تجربتي فيها بطعم المرارة، وصورتها تقترن، لدي، بـ«الجزارة»! حالي، يا سيدي، مثل الآلاف الذين يحجون يوميا إلى مستشفياتكم، بأوراق التعاضدية أو التغطية الصحية الإجبارية أو بطاقة «المجانية»، ولا يلقون من أكثركم إلا برودا قاتلا، أكثر فتكا من الأمراض المستعصية! حتى إذا ماتوا بين أيديكم، لم تراعوا حتى شعور أهلهم، باحترام الطقوس الدينية المرعية، من قبيل تغسيل الميتة من طرف امرأة لديها الأهلية! هذا، إن استطاعوا الوصول إليكم، في زمن لا نسمع فيه إلا الأحلام «الوردية»، من الوزارة الوصية، والحكومة الملتحية، التي قالت إنها لا تقبل لنا الدَّنية! ونصطدم بمثل هذا الحارس الفظ، الذي لا أجد تفسيرا لما يفعله، سوى تفجّر كبت شعوره بالدونية!». كلماتٌ استفزت الطبيب وهزّته من أعماقه، فأخذ بذراع الشيخ وطلب منه أن يرافقه إلى قاعة الفحوص الطبية، ليحظى بعنايته الشخصية. هل رقّ لحال المريض أم أراد فقط، أن يمتص غضبته المُضرية؟ طرد الشيخ هذه الوساوس القهرية، وقال للطبيب: «ألم أقل لك إن من معاني الطب الرفق والحذق في الممارسة المهنية؟ وأزيد أن العرب كانوا يسمون الطبيب حكيما، وأرى أنك من هؤلاء الحذاق الرفقاء الحكماء في المحصلة النهائية»! 

كذا انتهت الحكاية اليومية لهذه الشخصية «الدرامية» في المستشفيات العمومية…

شارك المقال