ففي غضون سنة واحدة، تواترت زيارات العاهل المغربي لتشمل عدداً من الأقطار الإفريقية، تشترك في الفرص والمشاريع، وتتوحد في الصعوبات والتحديات، وخلال كل هذه الجولات أكد المغرب أن توجهه الإفريقي خيار استراتيجي، وليس عملاً عرضياً، أو ظرفًيا، ولا حتى نشاطاً تكتيكياً يزول بزوال أسباب نزوله. وبلغة واضحة وبسيطة، يروم المغرب، أسوة بدول وقوى دولية وازنة كثيرة، أن يكون له حضور قوي ومتنوع في منطقة تعدّ، بكل المقاييس، عُمقه الجنوبي، وواحدة من أكثر الجهات حساسيةً لأمنه الوطني العام.
لم يعد يُفسَّر التوجهُ الإفريقي للمغرب، كما ظل سائدا لعقود، بأن مقصدَه الرئيس استمالة البلاد الإفريقية لدعم ملفه الترابي، أي تعضيد أحقيته في استرجاع أقاليمه الجنوبية، كما لم تعد فرضية أن المغرب ينفتح على إفريقيا كلما كان في ضيق من أمره، أو كان في حاجة إلى من يدعمه في قضيته من داخل إفريقيا، فمثل هذه التحليلات لم تعد مُقنعة سياسياً، ولا ذات صلاحية علمية، والحجة في ذلك أن المغرب، الذي خرج من منظمة الوحدة الإفريقية، والاتحاد الإفريقي لاحقا، منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لم يقطع صلته بإفريقيا وملفاتها السياسية، بل ظل متفاعلاً وفاعلاً فيها، والأكثر من ذلك تمكن من إقناع العديد من الدول الإفريقية بعدالة قضيته الترابية، واسترجاع صواب الكثير منها، لذلك، لا يمكن فهم التوجه المغربي نجو إفريقيا إلا بحسبه اختياراً استراتيجياً واعياً، وأولوية كبرى تروم إعادة بناء وترسيخ العمق الإفريقي للمغرب، وإخراجه من دائرة التذبذب والإحجام، وإعطائه مضموناً جديداً، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على كل الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
تستمد رهانات المغرب في إفريقيا مصادرها القوية من إمكانيات المغرب نفسها، والفرص التي لمست العديد من الدول الإفريقية أنها متوفرة في التجربة المغربية. والحقيقة، أن على الرغم مما يلاحظ على تجربة المغرب التنموية على امتداد نصف القرن الماضي، والتي رصدها بوضوح تقرير الخمسينية، فقد راكم المغرب رصيدا من الخبرة في مجالات الإدارة، وتدبير المؤسسات، وصنع السياسات القطاعية، وتأطير المجال الديني، ومراقبة أمن البلاد، بل إن هذه الأرصدة من الخبرات أدركت درجة من التطور أهلتها لأن تكون، بامتياز، عُملة جديرة بالتصدير والاسترشاد، كما هو الحال في كثير من البلاد الإفريقية. ثم إن إفريقيا نفسها غدت مجالاً حيوياً مفتوحاً، وسوقاً استهلاكيةً كبيرة، لاسيما أن ديمغرافيتها في نمو متصاعد، وستصل، حسب الدراسات الاستشرافية، في العام 2050، إلى ملياري نسمة. ومن هذه الزوايا بالذات، تشكل إفريقيا قارة الفرص بامتياز، بل إنها قارة الألفية الثالثة، وإلا بماذا نفسر التنافس المكشوف والخفي في الآن معا، من قبل القوى الكبرى الأمريكية والصينية والفرنسية وغيرها.
يستند التوجه الإفريقي للمغرب على أكثر من خمسمائة اتفاقية تشمل كافة المجالات، وتغطي كل الميادين، وتروم تحقيق العديد من الرهانات. بيد أنه إذا كان هذا التوجه مطلوباً، وضروريا، بل واستراتيجياً لأسباب وجيهة لا يختلف حولها اثنان، فإنه محكوم بمعطيات موضوعية، لا نظن أنها غائبة عن صناع القرار السياسي في المغرب، أهمها أن ثمة تنافساً دولياً شرساً في ربوع هذه القارة، وهو وإن بدا صراعاً حول الإرهاب والتطرف والعنف، فإنه أيضا تنافس حول الثروات والخيرات والغنائم. لذلك، يفرض سؤال الربح نفسه بالنسبة إلى التوجه المغربي الجديد نحو بناء عُمقه الإفريقي؟ وبمعنى أوضح، كيف يستطيع المغرب التوفيق بين رهاناته الخاصة في بناء علاقات مثمرة، متوازنة، ودائمة مع إفريقيا من جهة، والإبقاء على علاقاته المتشابكة والتقليدية مع أوربا، وفرنسا تحديداً، دون أن تكون مصدر ضغط سلبي على رهاناته الإفريقية؟ ألا يمكن مثلا أن يصبح الحضور المغربي في إفريقيا، وهو حضور مطلوب واستراتيجي، حضوراً بالوكالة، لاسيما إذا نظرنا إلى التشابك الحاصل بين المؤسسات الفرنسية ونظيراتها المغربية في النسيج الاقتصادي المغربي، وحجم المبادلات البينية بين البلدين؟