«كيگولو كْلامهم»!

27 فبراير 2014 - 21:37

الكلام للمسرحي المهدي الأزدي، ورد في أحد البرامج التلڤزيونية، بُث قبل وبعد رحيله إلى دار البقاء قبل أيام، وفي قلبه غُصة الجحود، بعد أن أفنى حياته بين المسرح و«تبنّايت» في مدينة «البهجة»! مشهدٌ حقيقيٌّ في «تراجيديا يونانية»، بالمعنى الأرسطي؛ حيث «البطل» شخصٌ عظيمٌ يتردى في الهوة السحيقة للشقاء! لعل ذلك يُحدث أثرا «تطهيريا» لدى الحكام، فيحررهم من «خوفهم» من الفعل الثقافي! 

تراجيديا حقيقية، إذن، يعيشها بعض المسرحيين المغاربة، الذين لا يعرفون «من أين تؤكل الكتف»، وطوبى لهم بهذا «الجهل»/الترفّع، الذي، وإن كان لا يُسمن ولا يغني من جوع، فهو يجعلهم أحياء مخلّدين في وجدان عشاق أب الفنون في هذا المغرب الذي لا يُكرَّم فيه إلا الأموات، وبعد فوات الفوات! 

الأزدي وقف واستوقف، وبكى واستبكى، في البرنامج إياه، وحكى كيف كان يبحث عن رزقه في أوراش البناء، بعدما ضاق به كوكب الفن، كما فعل رفيق دربه الفنان أحمد الشحيمة، الذي قصد «المارشي»، ليبيع ويشتري في الخضر والفواكه! يا لمرارة الخبز المغربي الذي «يتكركب» أمام من لهم «سبع صنايع والرزق ضايع»، ويظلون على ذلك الحال «السيزيفي» حتى أرذل العمر، بل حتى إسلام الروح إلى بارئها! 

هم فنانون مغاربة، «جوعهم في كرشهم وعْنايتهم في راسهم»، لم يستفيدوا من ريع السلطة، عندما كانت، ومازالت، تفرّقه يمينا وشمالا، ولا لمسوا فائدةً لبطاقة الفنان وتغطيته الصحية، التي هي في الواقع مجرد «أوراق ثبوتية»، تنضاف إلى مثيلاتها في «البزطام»! مشاهد تتكرر في المشهد الإعلامي، لكنها، في ما يشبه الأثر العكسي، لم تُفد في الكشف عن المشكل والبحث عن حلول حقيقية له، بقدر ما «بلّدت» إحساس الجمهور الذي بدأ يتحدث عن ميل الفنانين المغاربة إلى التباكي، كأنهم «كَرْهوا فيه»! 

لم أشأ أن أرثي الراحل الأزدي، لأن محترفي «الكلام المرصّع» يكثرون في هذا المقام وفي مثل هذه الأيام، وكأنهم «نائحات» تحت الطلب! لكنني، فقط، أتذكر دعوة هذا الفنان العصامي، الذي خبر حياة المسرح ومسرح الحياة، إلى تبسيط الخطاب المسرحي؛ بحيث قال، وهو الكاتب الذي ألّف العديد من الأعمال الفنية وجسّدها، بأن الإنسان يمكن أن «يتفلسف» كيفما شاء، لكن بكلام بسيط، وهو مُحقّ في ذلك، لأن الخطاب يُفترض فيه أن يتوجه إلى العالِم، والمتعلّم، والذي لم يحْظ بتعلم القراءة والكتابة. 

هذا الكلام لا ينسحب فقط، على المسرح، بل يعم التواصل الإنساني، وخصوصا الجماهيري منه. فلا يعقل أن يأتي، كما رأينا أخيرا، أستاذٌ جامعي لـ«يحضر» في إحدى ندوات معرض الكتاب والنشر بالدار البيضاء، أمام جمهور متنوع، لا يجمعه إلا شغف المعرفة، فـ«يُحاضر»، بلغة عالِمة أو متعالِمة، كأنه أمام طلبته في المدرج!

كما لا يُتصور أن يتحدث زعيم سياسي إلى العمال أو الفلاحين عن الصراع الطبقي ويفصّل لهم في نظريات ماركس ولينين! وطبعا ليس معنى هذا أن ينزل «الزعيم» إلى «القاع»، حتى يكون خطابه شعبيا. 

ورأينا كيف وصل هذا «الخطاب الشعبي» إلى المجلس الدستوري وجعله قضاتُه، لله درّهم، علة لإلغاء نتيجة الانتخابات الجزئية في دائرة مولاي يعقوب التي سارت بذكرها الركبان! لعل هؤلاء، الذين قطرت بهم سماء «الزعامة»، يفهمون أن السياسة ليست هي السب والقذف و«جيب آفم وْگول»!

لماذا لا نتكلم ببساطة مع الناس بـ«كلامهم» مبنىً، وبـ«كلامنا» معنىً؟ المشكل أننا نتكلم «كلامنا»، وندعي أنه «كلامهم» ومن هنا تظهر الحكمة في ما قاله ذلك الرجل البسيط الذي اعتبر أنهم «كيگولو كْلامهم». وهذا شديد الشبه، مع قصة ذلك الأعرابي الذي احتكم إليه علماء البصرة والكوفة في مسألة لغوية، لحفاظه على سليقته في البادية، لكن السؤال انغلق عليه، لأنه كان بلغته شكلا، وبلغتهم مضمونا، فقال قولته البليغة «أراكم تتكلمون بكلامنا، في كلامنا، بما ليس من كلامنا»!

 

[email protected]

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي