برادة يتحدث عن الملكية والأحزاب والمثقفين والربيع العربي

08 مارس 2014 - 21:31

 

‭{‬ انطلاقا من تجربتك في الكتابة الروائية، كيف تنظر اليوم إلى تجربتين متفاوتتين: سنوات الرصاص من جهة، والحراك الذي شهده المغرب قبل ثلاث سنوات من جهة ثانية؟

< في الماضي، وخاصة في أزمنة الرصاص، كانت المرحلة مرحلة صراع على السلطة، لأن الإشكالية العميقة، أي إشكالية تنظيم الصراع المجتمعي ديمقراطيا، لم تحل منذ بداية الاستقلال، فظل الصراع بين القصر والقوة الوطنية واليسارية قائما، واستغرق عقودا من الزمن، وتحول إلى عنف. ومن ثم، كانت هذه الفترة مليئة بالسلبيات، لأنها حرمت جيلا من الشباب من أن يسهموا في بناء مجتمع جديد، وأن يعبروا بطريقة مشروعة عن اختياراتهم. بينما جاءت المرحلة الراهنة نتيجة تحولات وتطورات عميقة لم تقتصر على المجتمع المغربي، بل شملت العالم كله. لذلك، لم تعد أجهزة الدولة القمعية قادرة على أن تستوعب هذا التدفق الشبابي، وهذا التدفق في المطالب. ومن ثم، فالتحول التدريجي هو تحول في اتجاه إعطاء الكلمة للناس، وإشراك المجتمع المدني في بناء مجتمع ثان. وفي نظري، تكتسب المشروعية كل الحركات الشبابية وبعض الأحزاب اليسارية أو المواقع التي تلح على أن تصبح الديمقراطية كاملة غير منقوصة.

إذن، فالمجتمع المغربي يعيش هذه المرحلة الدقيقة، وهي مرحلة التحول إلى الديمقراطية. وعندما تطرح مطالب محددة بملكية دستورية وديمقراطية شفافة، فلأن هذا الطريق يفرض نفسه داخليا وخارجيا، ولا يمكن أن نؤجل ذلك بدعوى عدم نضج الناس. إذ لا سبيل إلى التحول والانخراط في العصر، إلا عن طريق تحويل المجتمع المدني وإشراكه في المسؤولية وممارسة النقد باستمرار، لأن كل الأخطاء التي ترتكب ويسكت عنها سيدفع ثمنها باهظا فيما بعد لإصلاحها.

‭{‬ ألا تخشى أن يتعرض مشروع الانتقال إلى الديمقراطية للإجهاض، ليس في المغرب وحده، بل في العالم العربي كله؟

< هذا احتمال وارد، ولكنه سيكون لحظة داخل جدلية. فعندما نقول إن هناك إجهاضا، هناك داخل هذا الإجهاض وما سبقه لحظات تؤهل الانتقال إلى لحظة ودينامية جديدة. أنا أخشى أن يكون هذا التخوف، الذي تلح عليه الصحافة الأجنبية وبعض الصحف العربية، مثبطا وعائقا. فبدل أن ندعو الناس إلى الخروج من مباركة الزعماء والتهليل لهم وتقديسهم، ينبغي أن نطلب منهم أن ينظروا إلى التحولات والتغيرات الاجتماعية. هذا هو المطلوب. أما كيف نرتقي بوعي الناس كي يصبح وعيا عقلانيا يؤمن بأن الحركة لا تتوقف، وأن التغير هو قانون الحياة، فهذه مسؤولية السياسيين والمثقفين والفنانين، ومسؤولية الدولة في ما تنتجه من خطابات. يجب أن تكون خطابات تستهدف المستقبل والتطوير، لا خطابات تنوم الناس وتدعوهم إلى الاستكانة. إنها عملية معقدة فعلا. ومن هنا، نحن أمام ضرورة تطوير الوعي.

‭{‬  على غرار رواية «حيوات متجاورة»، تتابع في روايتك «بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات» الاهتمام بالسياسة. هل قدر الرواية عند محمد برادة أن تهتم بالسياسة؟

< يمكن أن أقول إن الرواية، بطبيعتها وشكلها واهتماماتها، تلامس جميع الموضوعات دون استثناء. ليست هناك رواية تقتصر على استيحاء السياسة أو الناحية الاجتماعية، بل الرواية تلامس ما هو اجتماعي وسياسي وعاطفي وجنسي. لذلك أنا أنظر إلى الشخصيات على أنها بشر. والبشر يعيش فقط داخل خانة محددة. والسياسة تتأثر ببقية المجالات الاجتماعية. وفي الروايات، هناك هذا الجمع بين كل الجوانب، حتى لا تأتي الشخصية رومانسية أو بعيدة عن الواقع المعقد والمركب. إذن، لكي تبدو الشخصية إنسانية منتمية إلى المجتمع، لا بد أن تتناول كل شيء.

‭{‬ في روايتك الجديدة، كان الأفق الزماني واسعا، حيث تضمن ثلاث مراحل من تاريخ المغرب (الاستعمار والاستقلال والعهد الجديد). هل يمكن النظر إلى هذا الأفق الزماني الشاسع باعتباره رسالة يقتضي الأدب، والرواية على نحو خاص، إيصالها إلى القارئ، أم لا بد من النظر إليه من زاوية جمالية فقط؟

< في الحقيقة، هذا راجع إلى علاقتي الشخصية بالزمن. أنا عشت قبل الاستقلال وبعده. وإلى اليوم، فإن الذي يهمني، أنا كفرد، هو كيف عشت هذه المرحلة، لا أقول بكل تفاصيلها. نحن عشنا التاريخ من جوانب محددة وبسيطة، ولكن الزمن باعتباره حاملا للتاريخ والأحداث، سواء كانت اجتماعية أو ذاتية محضة، فإنه هو الذي يتغلغل في أعماقنا ويترك بصماته فينا. إذن، أنا أحاول، بعد السنوات الخمسين التي تكون فيها وعيي وتدرج وتباين، أن أتبين كيف هي علاقتي بالزمن. هل أقول إن السنوات الخمسين أحدثت تغيرات خارجية مجتمعية بالقدر الذي أحدثته داخل نفسي، أم إن المسار الفردي كان يسير في اتجاه آخر؛ ومن ثم يصبح السلوك وتشرب القيم واستيعابها هو الأهم في قياس الزمن عند الفرد.

أظن أن الجميع، بدون استثناء، يطرحون سؤال الزمن، ولكن دعني أقول إن كل واحد يتحايل على تفسير هذا الزمن، وعلى تحمل سلبياته. فكلما عشنا، إلا واتجهنا إلى الأفول. وهذا المصير المأساوي في حياة كل إنسان يحتم عليه أن يعطي تأويلا ما للزمن.

‭{‬ هل يمكن القول إن الرواية تتناول هذا المصير المأساوي، على اعتبار أن الرواية لا تعالج فحسب انكسار الإنسان، بل انكسار الحركة الوطنية، وانكسار تجربة التناوب، وأخيرا انكسار حركة 20 فبراير؟

< ما تسميه انكسارا هو جزء من جدلية واسعة. وكل جدلية نعيشها فيها الإيجابي والسلبي. فالانكسار دائما يكون مؤقتا. وغالبا ما يصبح خميرة لوثبة أخرى أو لجيل آخر يعبر عن ذاته باختلاف. إذ لا يمكن أن نقول إن الحركة الوطنية أخفقت تماما، لأنها نجحت في أن تحقق استقلال المغرب، وفي أن تحمي اللغة العربية ومقومات المجتمع المغربي. ولكن ما بعد الاستقلال هو الذي طرح إشكالات من نوع جديد، كالصراع الاجتماعي، وتدبير المجتمع، والإشكالية الديمقراطية، الخ. والشباب هو جزء من هذه الجدلية، لأن تراكم المشكلات أدى إلى نوع من انسداد الأبواب أمام الشباب.

ومن الطبيعي أن يأتي التفكير في المستقبل والتأشير عليه من الشباب، لأنهم هم الذين يعانون هذا الإشكال الذي يتجسد في عطالة المتخرجين. فمن السابق لأوانه أن نقول إن لحظة 20 فبراير أخفقت، ولكنها تعثرت لأسباب موضوعية. لكن يبقى على جيل الشباب أن يصحح النظرة، وأن يجد السبيل الأقوم والأصح لكي يسمع صوته للدولة والمجتمع، لكي يصبح قوة اقتراحية في التغيير. وهذا هو الأصعب.

ومن الطبيعي أيضا أن يكون الشباب متمردا وثائرا. ولكن الشباب يتدرج أيضا في الزمن، فهو يجد نفسه أمام مرحلة ممارسة المسؤولية. ومن هنا، فكلمة «الانكسار» يجب أن نأخذها على أنها مؤقتة، أو باعتبارها توقفا للتأمل في ما يحدث في حياة الإنسان الشخصية، حيث يحدث أن يعيش عشرين أو ثلاثين سنة بشكل ما، ثم يتوقف ليعيد النظر في توجهاته.

‭{‬ هل يمكن النظر إلى اعتبارك الانكسار مسألة مؤقتة على أنه مجرد تفاؤل أديب؟

< لا. إنه نظرة إلى ما قرأناه في التاريخ، وفي ما عشناه. عندما نتطرق إلى أزمنة الرصاص، فإن الذين عاشوها، سيتذكرون ذلك بألم، لأنها كانت فترة خوف؛ أي أن تعيش داخل مجتمع وأنت خائف من بعبع غير مرئي، وخائف من قمع له ألف وجه. ومع ذلك، استطعنا أن نتخطى هذه الفترة، التي كانت سوداء في تاريخ المغرب الحديث، حيث عاد الشباب نوعا ما إلى الساحة، والتحقت قوة اجتماعية أخرى بتسيير المجتمع. لا يتعلق الأمر بإرادة أو موقف ذاتي: أنا متفائل، أنا متشائم. ومن ثم، فإن الربيع العربي بصفة عامة لم يفشل تماما قياسا إلى ما عاشته مجتمعات أخرى، وأن ذلك هو بداية مرحلة أخرى. هذا شيء يفرضه قانون التاريخ، إن صح التعبير.

لا بأس بعد مرور فترة من الزمن أن نعيد النظر حتى في الكلمات والمصطلحات كي لا تكون الأحكام نهائية. فمن حق الصحافي أن يصدر أحكاما متسرعة، لأنها تؤرخ على المستوى اليومي. ولكن لا بد للمؤرخين والكتاب والفنانين من مسافة ينظرون فيها إلى الأشياء في حد ذاتها وداخل سياق أشمل.

‭{‬ لنركز على اختيارات شخصيات الرواية. في رواية «بعيدا من الضوضاء، قريبا من السكات»، كما في الرواية السابقة «حيوات متجاورة»، تمثل الشخصيات الأجيال المتلاحقة منذ الاستعمار إلى اليوم. إلى أي حد يعتبر هذا الاختيار جماليا، وليس إيديولوجيا؟

< إنه اختيار يجمع بين الجانبين، إن صح التعبير. إذ لا يمكن أن ننسج سردا جماليا، تجريبيا ممكنا، حيث سيكون ذلك بعيدا عما هو ملموس ومعاش. فاختيار شخصيات تنتمي إلى فئات، ومواقف، ومراحل هو جزء من هذا الشكل الفني: كيف أتصور أن شخصا مغربيا ما ينتمي إلى فئة ما له ثقافة معينة، كان يعيش تجربة الاستعمار؟ كيف أتصور هذا بعد الاستقلال؟ هناك نماذج كثيرة. ولكن صنع أو نسج هذه الشخصيات يعود إلى ذاكرتي ومخزون التأملات، حيث اخترت هذه العينات، لأنها تتيح الحديث عن الجانب الاجتماعي والإيديولوجي الملموس، كما تتيح لي، في الآن نفسه، أن أتخيل مسار حيوات تنسج من جوانب جمالية. لا أتصور أن هناك شخصيات جمالية محضة، وأخرى إيديولوجية. فعندما نحلل الإيديولوجيا، سنجد فيها الذوق ومفهوم الشخص للثقافة والفنون. وهذا يتغير حسب المراحل.

إذن، بالنسبة لي، تشمل الرواية، كما قلت في البداية، كل مكونات الفرد والمجتمع، حيث يفرض المقتضى الجمالي نفسه، لأنه هو الذي يميز الرواية عن الكتابة الصحافية والكتابة العابرة. أنا أظن أن ما نسميه الإيديولوجي والسياسي هو أيضا قائم على مفهوم شامل للحياة، تتجسد فيه النظرة الجمالية. وأنت تعلم أن الكثير من الذين ينتمون إلى أحزاب يسارية قد تكون لهم رؤية جمالية فنية متأخرة. وهذا من المتناقضات. لذلك، عندما نحلل الروايات، يجب ألا نرتعب أو نتخوف من الإيديولوجي، لأنه يفرض نفسه، لكن أن نربطه بما هو أشمل، إذا كنا نتوخى تفسير السلوكات والقيم وطريقة تغيرها.

‭{‬ هناك من يرى، خاصة من السياسيين، أنك توظف الرواية لتصفية مرحلة سياسية من تاريخك الشخصي، وكذا تصفية الحساب مع العلاقات الحزبية السابقة…

< أظن أن هذه نظرة سطحية، لأنه لو كان الأمر يتعلق بتصفية حسابات، لكتبت نصوصا جدلية وتحليلا للأشياء كما عشتها من داخل انتمائي السياسي السابق. ولكن المسار الذي اخترته، كما قلت لك، يعطيني الحق في أن أعيد النظر في المرحلة التي عشتها، وفي الأشخاص الذين عاشرتهم، وفي ما سجلته من ملاحظات. فعندما أتحدث عن حزب، أو عن مناضلين، فهذا جزء من الحياة. من هنا، لا تكون تصفية الحساب بهذه الطريقة، خاصة أن نصوصي تسلك سبيلا روائيا سرديا وجماليا معينا. وما قيل منذ رواية «امرأة النسيان» لا يطابق الحقيقة. ذلك أن «امرأة النسيان» تضم شخصيتين: شخصية الهادي الذي يعود بصفته راويا، وشخصية «فـ. بـ» التي كانت تنشد التحرر في فرنسا، وعاشت تجربة جريئة، ثم تعود لتكتشف أن هذا المجتمع الذي تنتمي إليه لا يلقي بالا للتحرر العميق والشامل في القيم والسلوك، بل يهتم فقط بالتغيير السياسي. وهذا لا ينطبق على حزب دون آخر. هذا المفهوم غالبا ما يشمل كل الأحزاب للأسف. بينما يهتم الحزب السياسي، بالمعنى العميق، بالسياسة والتدبير الاجتماعي، وبالثقافة والجماليات، ليغير سلوك الأفراد داخل المجتمع.

‭{‬ ما هي مسؤولية الأدب، والرواية على الخصوص، في إنماء هذا الوعي؟ هل يمكن القول إن حركة التحول التي تتحدث عنها ستفرز حركة أدبية جديدة، خاصة على مستوى الكتابة الروائية؟ وكيف تنظر إلى الأدب الذي اهتم بالربيع العربي؟

< لا شك أن ما نعيشه الآن من أحداث متسارعة قوية سيترك بصماته، ولكن الإبداع، كما نعلم، لا يخضع في جميع أشكاله وألوانه للظرفية. لا بد من فترة زمنية تترسب فيها الأشياء، لكي يعود إليها الكتاب والفنانون من منظور تفصيلي، من منظور الحياة والتقاط ما أهمله التاريخ. ربما يهتم التاريخ بالأحداث الرسمية البارزة. لكن التاريخ، كما أرى، يوجد أيضا في التفاصيل، وفي علاقة الإنسان بنفسه وعائلته وذويه. إذن، لا شك أن التغيير في الكتابة والفن أصبح ضروريا، خاصة أن حوامل التعبير وطرائقه تغيرت وأصبحت مشروطة بالوسائط التكنولوجية. لكن الأهم هو أنه على المبدعين ألا يفرطوا في تلك المسافة الجمالية والتاريخية التي تتيح لهم التأمل، لأنه عندما نقرأ عملا أدبيا، نطمع في أن نجد فيه رؤية عميقة تنقلنا إلى أفق أوسع.

‭{‬ قال الروائي الكويتي سعود السنعوسي، الذي فاز بجائزة البوكر العام الماضي، قال خلال مشاركته في معرض الكتاب، إن التغيير بالكتابة مستحيل، إلا مع توالي الأصوات؟ هل الأمر مستحيل فعلا، أم إن بمقدور الكتابة أن تثقب بعض ثغرات التغيير في المجتمع؟

< الكتابة والفن لا يغيران مباشرة. لكن الأدب بصفة عامة هو الذي يقلب التربة، ويزرع وعيا آخر. إذن، كيف نقيس تحول الوعي من اتجاه ماضوي إلى اتجاه مستقبلي متفتح يخضع لعدة عوامل، من ضمنها نوعية الخطابات التي تؤطر المجتمع. وكما يخبرنا التاريخ، التغيير والتحول يتمان عبر قوة مجتمعية منغرسة في صلب المجتمع، ومتفتحة على الأدب والفن والثقافة والفكر. هناك كتابات كثيرة في الثقافة العربية، على الأقل منذ خمسين سنة. ولكن المشكل، كما أقول دائما، يكمن في ذلك الطلاق أو الانفصال الذي حصل بين السياسة والثقافة. كيف سيعود التفاعل، حتى لا أقول الالتحام، بين السياسي والثقافي، لكي تغتني الحياة المجتمعية؟ فعلا، فالتغيير لا يتم مباشرة. ولكن المطلوب هو الجرأة، والتخلي عن الرقابة الذاتية، عندما يكتب الكاتب ويبدع الفنان.

‭{‬ انطلاقا مما أفرزته نتائج جائزة البوكر خلال السنتين الماضيتين، هل يمكن القول إنه حصل تغيير في الكتابة الروائية نفسها؟ هل يمكن القول إن هذه النتائج، التي استبعدت كبار الروائيين العرب أمثال واسيني الأعرج وأمير تاج السر وربيع جابر وإلياس خوري وآخرين، تعبر عن ميلاد رواية جديدة؟

< في الحقيقة، لا تملك جائزة البوكر نظاما دقيقا في اختيار لجان التحكيم، ولكنها تريد، في الآن نفسه، أن تقترب من مبادئ جائزة البوكر البريطانية، أي أن تفتح الطريق، وألا تكون مقاييس الاختيار أكاديمية دقيقة، بل مفتوحة على القارئ البسيط، إذا صح التعبير. ومن ثم، قد تكون لها إيجابيات، لأنها تبتعد عن تكريس الأسماء. وقد لا يكون إلياس خوري أو واسيني الأعرج بحاجة إلى هذه الجائزة، لأنهم شقوا طريقهم، بينما يستحق هذه الجائزة كاتب مغمور كتب نصا لافتا. فرغم بعض السلبيات، أنا أرى أنه لا بأس بها، لأنها تخلق تنافسا وفضولا عند القارئ. ولكن لا علاقة للمقاييس بالجديد والقديم. هناك كتاب يكتبون منذ ستين سنة، ويأتون دائما بالجديد.

‭{‬ في نظرك، هل مازالت الكتابة الروائية في حاجة إلى التجريب؟

< التجريب على أي أساس؟ ألا يكون التجريب من أجل التجريب فقط. عندما أقول: أنا أجرب، فأنا أعني أن المرحلة التي كنت فيها لم تعد تستوعب تطلعي إلى الكتابة الروائية، ولم تعد قادرة على أن تعبر عن مرحلة جديدة لدي. وعندما أقول: أنا أجرب في اللغة والشكل لكي أصل إلى أشياء معينة، فأنا لا أقول: أنا أجرب لأجرب. عندما أجرب طريقة في الكتابة وأصل إلى شيء، يجب أن أستثمره، يجب أن أتوقف عنده، وألا أحرص على تغييره بسرعة. التجريب ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتوسيع أفق التعبير وتوسيع الشكل للاقتراب من موضوعات جديدة تفاجئنا.

‭{‬ لاحظنا أن اشتغالك النقدي قل في السنوات الأخيرة…

< بدأت إلى حد ما أهتم أكثر بالقراءات المفردة للروايات، وبكيفية تكون أشمل في متناول جمهور واسع. لقد نشرت كتابا في هذا الموضوع، لأنني أعتقد أن العودة إلى النقد الأعمق يقتضي الانطلاق من تحليلات ونماذج فردية، حتى لا تأتي التنظيرات والأحكام مسرفة في التعميم. ولكن هذا لا يمنع أنني سأحاول قريبا أن أكتب نقدا مختلفا بعض الشيء، لكي يستفاد من هذه التحليلات الفردية أو الجزئية للروايات.

‭{‬  هل من مشروع روائي مقبل؟

< أتمنى ذلك. أنا أفكر، ولكن لم أستقر على شيء بعد. أعتقد أنه لا بد أن أكتب، لأن اللجوء الوحيد هو الكتابة في سني. ولكني لم أستقر بعد على موضوع.

‭{‬ هل نفهم من هذا أنك لم تتخلص بعد من رواية «بعيدا عن الضوضاء، قريبا من السكات»؟

< بطبيعة الحال، يجب أن أقرأها مع الجمهور، فنسيانها قليلا والكتابة من جديد يقتضيان وقتا.

‭{‬ هل تتوقع لها انتشارا واسعا؟

< هذا أملي. والمفروض في كاتب قديم أن يحظى بجمهور أوسع. أنت تعرف ظروف القراء وقوتهم القرائية. لكن ردود الفعل إيجابية إلى حد الآن.

 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي