العُلبة السوداء

10 مارس 2014 - 20:53

 فمنذ الوعكة الصحية للرئيس «عبدالعزيز بوتفليقة» السنة الماضية، والتوقعات تتناسل حول كيف ستُديرُ الجزائر ملفَّ الرئاسيات في ضوء مرض رئيسها، الذي ظلت تفاصيلُه واحتمالات الشفاء منه طيَّ الكتمان. ولأن العلاقة وثيقة بين المرض والسياسة في نظام غير منفتح ولا شفاف، فقد شكلت الحالة الصحية للرئيس موضوع تجاذبات وتخمينات لا متناهية لفهم ما قد يطال هرم السلطة في الجزائر من تحولات على مستوى السلطة ونوعية القادة الممارسين لها.

جمعني قبل يومين حديث مُطوّل مع صديق وزميل أكاديمي من الجزائر، له دراية واسعة وعميقة بالتجربة السياسية لبلده، ويتمتع في الآن معا باستقلالية تجاه السلطة ومساربها، ولأن المناسبة شرط، كما يُقال، فقد بادرت إلى طلب رأيه في ما يجري في بلده، أي معرفة تقييمه للعملية السياسية التي ستقود إلى انتخاب رئيس جديد في السابع عشر من أبريل المقبل؟. فكر ملياً وأجابني بالقول: دعنا نأخذ مسافة مما يُروج في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وما يقع تداولُه في وسائط التواصل الاجتماعي، ولننظر بعمق في هذه العلبة السوداء، التي تشكل مفتاح فهم ما يجري في الجزائر منذ خريف 1988. ليضيف، منذ أحداث أكتوبر 1988، دخلت الجزائر دائرة الصراع الحادّ والمنتظم بين الأضلع الثلاثة للسلطة، أي قيادة الأركان والمخابرات وجبهة التحرير الوطني. ولأن ما أعرف، من خلال ما قرأت شخصيا عن مسار بناء الدولة الوطنية في الجزائر بعد الاستقلال، أن هذا الثلاثي متكامل ومتناغم، فقد عبرت له عن عدم اقتناعي بفرضية الصراع بين أضلع السلطة، فكان تأكيده، مرة أخرى، أن من أفضال خريف الغضب في الجزائر عام 1988، تحقيق رجة في قمة السلطة، وفتح الباب أمام صراع مكونات هذه الأخيرة، خصوصاً بين حزب جبهة التحرير الوطني وإلى حد ما قيادة الأركان من جهة، والمخابرات من جهة أخرى. ليُضيف  أن جبهة التحرير ذاتها لم تكن مع توقيف الدورة الثانية لانتخابات 1991ـ  1992، على الرغم من أنها كانت الخاسر الأكبر فيها، وأن الرئيس الشاذلي بن جديد أدى، هو الآخر، ثمن عدم تأييده  قرار الإيقاف باللجوء الاضطراري إلى الاستقالة.

شدد صاحبُنا، وهو يشرح فصول الصراع بين أضلع السلطة في الجزائر، على أن عودة  السيد «عبد العزيز بوتفليقة» ودخوله غمار الانتخابات الرئاسية عام 1999، يندرج ضمن مسار هذا الصراع وأفق تجاوزه في اتجاه تحويل السلطة نحو المؤسسات المدنية. ونتذكر فعلا أن «بوتفليقة» لم يتردد في أكثر من خطاب أو تصريح في التشديد على أنه لا يقبل أن «يكون نصف أو ربع رئيس»، وأنه يريد أن يكون رئيساً فعلياً للجزائر. لذلك، يؤكد هذا الصديق والزميل الأكاديمي أن الرئيس «بوتفليقة» نجح إلى حد بعيد في تحقيق الأمن واستتبابه في ربوع الجزائر، وطموحه أن يحول النظام الجزائري إلى حكم مدني. ومن هنا يمكن لنا  تفسير، يضيف هذا الصديق، التغييرات الجوهرية التي أدخلها خلال الشهور الأخيرة على مؤسسة المخابرات، بربط تعيين قادتها بصلاحيات الرئيس، والنجاح في استمالة قيادة الأركان إلى دعم مشروعه لفك الارتباط بين المخابرات ومؤسسات الحياة المدنية. وحين سألته أن الرئيس الحالي كانت أمامه ثلاث ولايات وأن الجزائر ستضيع فرصة ثمينة الآن إن هي أبقت الباب مغلقاً أمام إجراء انتخابات تنافسية ديمقراطية، كان جوابه قطعيا بأن المعركة في نهايتها، وأن فوز بوتفليقة بعُهدة رابعة لا غُبار عليه، وأن الإصلاحات الدستورية التي وعد بها في خطاب 14 أبريل 2011، وشُكلت لجنة لصياغتها، ستكرِّس فكَّ الارتباط بين الطابع المدني للدولة، وهو المطلوب، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية التي يجب أن تظل يقظة وفي الآن معا بعيدة عن تدبير شؤون الناس..إنها تفسيرات تبدو وجيهة في الكثير من جوانبها، وإن كانت غير مقنعة بشكل مطلق، لكن في كل الأحوال تُظهر حجم العلبة السوداء التي تلُفّ سير العملية السياسية في الجزائر، والتي نجعل الانتخابية برمتها وكأن صراع في القمة، أكثر منها لحظة سياسية لتربية المواطنين على ممارسة الشأن العام..

شارك المقال

شارك برأيك
التالي