المدرسة بين الفلوس والإفلاس!

20 مارس 2014 - 20:18

رقم، من بين أرقام كارثية أخرى، أورده التقرير الأخير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، يسائلنا جميعا حول مصير هؤلاء الأطفال الذين سيصبحون «مواطنين» غدا، في الوقت الذي يُفترض أن يكون قد انطلق، أمس، نقاشٌ برلماني حول «الباكلوريا الفرنسية» وتدريس اللغات. ها أنتم ترون أننا مازلنا نناقش مسائل فرعية (كما وقع قبل أشهر عندما أقمنا الدنيا ولم نُقعدها حول دمج «الدارجة» في التعليم) في إطار اتجاه رسمي «ترقيعي» دائم، بدل طرح الأسئلة الكبرى أولا.

السؤال الأكبر الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، هنا والآن، هو: أي «مواطن» نريد أن «نصنع» بهذا المستوى من التعليم؟ وطبعا ضمّنت السؤال عمدا كلمة «مواطن»، بكل ما تحمل من معنى في هذا السياق السياسي الذي نسمّيه «انتقالا ديمقراطيا»، والذي ننتقل، بموجبه، من محطة «الرعايا»، الذين لا همّ للسلطة إلا انصياعهم لها في إطار خطاطات السلطوية وإعادة إنتاج أنساقها المعروفة، إلى محطة «المواطنين» الذين يرتبطون مع الدولة بـ«عقد» هو الدستور الذي يمنحهم حقوقا ويُلزمهم بواجبات يجب أن يكونوا مؤهلين لها… إذا كان هؤلاء هم من نريد أن «نصنع»، فكيف تتم تنشئتهم الاجتماعية؟ 

بما أن أغلب الأسر فوّضت للمدرسة هذا الدور وتقريبا بالكامل، بعد انشغال الأبوين بالعمل أساسا، فهل تقوم هذه المؤسسة باستنبات قيم المواطنة وحقوق الإنسان وحرية الاختيار والفكر النقدي واحترام الآخر المختلف؟ أخشى أنها لا تقوم بأي شيء من هذا! 

أجيالٌ من المدرسين والمدرسات يُعيدون إنتاج الطريقة نفسها التي تعلموا بها، انطلاقا من «بضاعتنا رُدّت إلينا»، وعدم «الفهامة» على الأستاذ (الذي يرمز إلى السلطة)، مما يكْبت أي حس للنقد أو المبادرة لدى المتعلم… أظن أن هذا هو الخطر الأكبر على الانتقال الديمقراطي.

إذا لم يُنظر إلى مسألة التعليم من هذه الزاوية، فإننا سنستمر في «صُنع» مغاربة لديهم «قابلية» ليكونوا ضحايا للاستبداد السياسي أو التطرف الديني أو غيرهما، لأننا، ببساطة، لم نُملِّكهم أدوات نقدية تجعلهم قادرين على المقارنة والتمييز وتكوين رأي واتخاذ موقف…

لماذا لا يجلس كل المعنيين، من سياسيين وخبراء وأسرة التربية والتعليم وفعاليات المجتمع المدني، بدءا من جمعيات أولياء التلاميذ، في إطار حوار وطني حقيقي، ينطلق من سؤال «ماذا نريد من التعليم؟ وأي متعلم نريد؟ وبأي طريقة؟»، بعيدا عن منطق «التوافق» (أو «التواطؤ» بالأحرى)!

لقد أفلست المدرسة العمومية، بعد أن كانت حقلا للتجارب المتتالية والمتناقضة، بدون جدوى، ولمّا قيل إن الأمور ستتحسن في إطار عشرية ميثاق التربية والتكوين، تمّ ضخ العديد من حاملي الشهادات في هذه المدرسة مباشرة من الشارع الذي كانوا يحتجون فيه، بدون أدنى تكوين!

ومن جهة أخرى، «يستثمر» من زاده الله بسطة في  المال في أبنائه في إطار تعليم «جيد»؛ سواء تعلق الأمر بمؤسسات تابعة للبعثات الأجنبية (الفرنسية أساسا)، أو بعض المؤسسات التابعة للقطاع الخاص. 

المشكلة أن أغلب مؤسسات التعليم الخاص «تعتاش» على أطر التعليم العمومي، الذين تظهر كفاءة كثير منهم عندما يكونون في «مدرسة الفلوس»، أما «مدرسة المخزن» فهي بالنسبة إليهم محطة للاستراحة وتدبيج المطالب النقابية! فضلا على أن كثيرا من «الأطر» الخاصة بالمدارس «الحرة» لم يتلقوا أي تكون تربوي، بل حتى إن بعضهم لا يتوفر حتى على المستوى التعليمي اللازم! 

بالله عليكم، ألا يستحق كل هذا حوارا وطنيا، على الأقل كما فعلنا مع منظومة العدالة والمجتمع المدني، بعيدا عن منطق المناظرات الموجَّهة؟

[email protected]

شارك المقال

شارك برأيك
التالي