نشر الأحكام القضائية ليس تطاولا على الدستور

21 مارس 2014 - 21:45

 أحمد النويضي 

الأصل أن سلطة القضاء بالمغرب تمارسها المحاكم المغربية، عن طريق الفصل في المنازعات التي تنشأ بين مكونات المجتمع، بهدف حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.

والحل الذي تعطيه المحاكم للمنازعات المعروضة عليها يسمى حكما أو أمرا أو قرارا، وهو واجب النفاذ ولو بالقوة إذا لزم الأمر.

وتعتبر جودة الأحكام مظهرا من مظاهر ارتقاء الدول وتقدمها، وتعبيرا عن سيادة الدولة الديمقراطية التي يصطلح عليها بدولة الحق والقانون، ومن هذا المنطلق حدد القانون البيانات الواجب توفرها في الأحكام القضائية، المادة 50 من ق. م. م و365 من ق. م. ج، ورتب على عدم ذكر أحد البيانات بطلان الحكم أو القرار. وأهم هذه البيانات: التعليل الذي يعني الإفصاح كتابة في صلب الحكم عن الأسباب الواقعية والقانونية الداعية إلى إصداره.

ومن خلال التعليل يمكن لرجال القانون تحديد مدى صوابية الحكم ومطابقته للقانون من عدمه، بل يمكن من خلاله الوقوف على مدى عدالة الحكم وسلامته من حيث تطبيق القانون.

والتعليل هو الذي يحصن الحكم أو القرار أمام المحكمة الأعلى درجة التي خولها القانون النظر في الطعن الموجه ضد الحكم، بل الأكثر من ذلك فإن من أسباب الطعن بالنقض حسب المادة 359 من ق م م انعدام التعليل وعدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني، وأن أغلب الأحكام تم نقضها بسبب انعدام التعليل أو نقصانه.

ومن خلال التعليل أيضا يمكن اكتشاف خروج القاضي عن واجب التجرد والاستقلال الذي اعتبره الدستور في المادة 109 خطأ جسيما، ومن خلاله أيضا يمكن إثبات انحياز القاضي إلى أحد الخصوم، والذي اعتبره المشرع جريمة بموجب المادة 254 من القانون الجنائي. ومن خلاله أيضا يمكن إثبات موجبات مخاصمة القضاة المصدرين للحكم بسبب الضرر الحاصل للمتضرر من الحكم طبقا للمادة 391 من قانون المسطرة المدنية.

ونظرا إلى أهمية تعليل الأحكام على النحو الذي سبق، ارتأى واضعو الدستور لسنة 2011 التنصيص على وجوب تعليل الأحكام في المادة 125 التي تقول: «تكون الأحكام معللة وتصدر في جلسة علنية وفق الشروط المنصوص عليها في القانون».

ومن هذه الأرضية تظهر لنا أهمية وجوب فرض رقابة على أداء المحاكم وضرورتها، والتي سنتناولها من خلال المراقبة الوظيفية والمراقبة الفقهية والعلمية.

 

المراقبة الوظيفية

كما هو الشأن بالنسبة إلى جميع التشريعات، نص المشرع على آليتين لمراقبة أداء المحاكم وتقييم عملها.

* الآلية الأولى والطبيعية: تتم عن طريق الطعن في الأحكام والقرارات أمام المحكمة الأعلى درجة- التعرض- الاستئناف والنقض، وهي آلية فعالة تقوم بتصحيح الأحكام القضائية أو نقضها إذا كانت معيبة شكلا أو مضمونا.

* الآلية الثانية: تتم عن طريق التفتيش القضائي للمحاكم، سواء التفتيش التسلسلي أو التفتيش المركزي، ويهدف إلى توحيد مناهج العمل بمختلف المحاكم ورصد الاختلالات وتقويمها والبحث عن السبل الناجعة لتجاوزها.

 

الرقابة الفقهية والعلمية

إن الرقابة الفقهية والعلمية لأداء المحاكم لم ينظمها القانون في المغرب، وقد ابتدعها الفقه، وتأخذ شكل نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها.

 لئن كان المشرع المغربي لم ينظم هذه الرقابة، فإنه لم ينص صراحة على منعها إلا في الأحوال التي سنوردها لاحقا في هذه الدراسة. وإذا كانت عملية نشر الأحكام والتعليق عليها قد عرفت انتشارا منذ عقود، فإنه مع انطلاق ورشة إصلاح منظومة العدالة وصدور دستور 2011، ظهرت على الساحة فعاليات المجتمع المدني تطالب بأحقيتها في المشاركة في إصلاح القضاء باعتباره شأنا مجتمعيا لا يقتصر على القضاة وحدهم، ومن هنا بادرت جمعية «حقوق وعدالة» إلى وضع أحد مشاريعها، ويهم نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها.

 

خارج السرب

وإذا كانت هذه المبادرة الحقوقية قد لقيت استحسانا من طرف كثير من المتتبعين والمواطنين كما تبين ذلك تعاليق وسائل الإعلام الاجتماعية في أغلبيتها الساحقة وبعض الجمعيات المهنية للقضاة، فإن الناطق باسم الودادية الحسنية للقضاة رأى في ذلك تدخلا في السلطة القضائية، وذهب إلى حد التهديد والوعيد باتخاذ ما يجب ضد كل من يقوم بنشر أو التعليق على حكم قضائي. 

وهو ما يدفعنا إلى تسليط الضوء على عملية نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها بإبراز أهميتها أولا، وبيان حدودها ثانيا، ومناقشة حجج المعارضين لها ثالثا.

 

أهمية نشر الأحكام 

إن نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها ليس وليد اليوم، ولا يشكل أي مساس بالسلطة القضائية ورجالها، وهي بدعة حميدة، وظاهرة صحية سليمة تهدف إلى نشر المعلومة القضائية وتطبيقاتها على نطاق أوسع، وإخراجها من رفوف المحكمة إلى عالم أوسع، ليستفيد منها القضاة والطلبة وأساتذة التعليم العالي وهيئات الدفاع والشركات وكل مهتم بالحقل القضائي، ويعتبر التعليق على الأحكام القضائية من طرف المختصين وسيلة للاجتهاد في تفسير النصوص القانونية وتأويلها، وأداة لمراقبة الحكم القضائي- أدبيا – ويدفع القضاة إلى الاجتهاد والبحث عن أجود التطبيقات العملية للنصوص القانونية.

 

قيود النشر

إذا كان نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها عملية سليمة من الناحية القانونية، فإن هناك قيودا تحد من سلطة هذه الرقابة، وتتمثل في ما يلي:

* عدم المساس بالهيئة القضائية: إذ لا ينبغي اتخاذ التعليق على الأحكام ونشرها مطية للنيل من القضاة، بتوجيه القذف إلى هؤلاء بسبب الأحكام التي يصدرونها أو إهانتهم لأن الأصل أن الإنسان يحمل على الصلاح، ولأن عمل القاضي يعتبر اجتهادا منه في تطبيق القانون.

* عدم جواز التعليق على الأحكام التمهيدية: يجب التمييز بين الأحكام الباتة والأحكام التمهيدية.

فالحكم التمهيدي سواء أمر بإجراء خبرة أو بحث أو الاستماع إلى الشهود هو إجراء من إجراءات تحقيق الدعوى، وبالتالي لا يجوز التعليق على هذا النوع من الأحكام التمهيدية، لأن ذلك يعد تأثيرا على القضاء، وهو ممنوع دستوريا المادة 109 ومعاقب عليه جنائيا في المادة 266 ف 2.

أما الأحكام والقرارات الباتة، سواء كانت ابتدائية أو استئنافية أو قرارات محكمة النقض، فإنها تصبح ملكا للشعب، بمجرد النطق بها، لأن القاضي عندما يصدر الحكم في القضية يرفع يده عنها.

عدم المساس بالحياة الخاصة للأطراف: إذ يجب أن يقتصر التعليق على المناقشة العلمية للنص القانوني الواجب التطبيق على النازلة التي صدر بشأنها الحكم موضوع التعليق، وربطه بوقائع النزاع المعروض على القضاء، ولا يجوز المساس بأطراف الدعوى، خاصة في بعض القضايا التي تكتسي طابع الخصوصية، كما هو الشأن في قضايا الأسرة والجرائم الماسة بالأخلاق العامة وغيرها، التي من شأن نشرها الإساءة إلى الحياة الخاصة بالأشخاص، وفي هذه الأحوال يجب عدم ذكر الأسماء الشخصية والعائلية للأطراف إلا بإذن صريح منهم.

ألا ينصب التعليق على المظهر الخارجي للحكم القضائي، لأن الغاية من التعليق هي تحسين جودة العمل القضائي بتحليل النص القانوني المطبق على النازلة التي صدر بشأنها الحكم، وصولا إلى تحديد مدلوله الحقيقي، وتحديد مدى صوابية تطبيقه من عدمها. أما المظهر الخارجي للحكم فلا يدخل ضمن العمل القضائي، وبالتالي لا ينبغي أن يكون محل تعليق، فقد ورد في حديث نسبته إحدى الصحف الوطنية إلى الأستاذ عبد العزيز النويضي قوله إن بعض القضاة يكتبون الأحكام بالأرجل.

وبصفتي رئيسا للمنتدى المغربي للدفاع عن حقوق القضاة، وعلى معرفة بدماثة أخلاق الأستاذ النويضي وبالنظر إلى مصداقيته وتاريخه النضالي وما يكنه من احترام للجميع حتى لمن يختلف معه، فقد اتصلت به فورا للتأكد من صحة ما نسب إليه، فأجابني بأنه لم يتم نقل كلامه بأمانة، وأنه شعر بامتعاض شديد وهو يقرأ ذلك الجزء من تغطية إحدى الصحف، وأن ما صدر منه هو سرد لتشكي بعض المحامين بقولهم: إنهم توصلوا بأحكام مكتوبة بخط اليد ولم يستطيعوا قراءتها وتساءلوا عما إذا كتبت باليد أم الأرجل، وأن «هذا الكلام مسجل»، فكان توضيحي له أن تسليم نسخ الأحكام ليس من اختصاص القضاة، وإنما هو من عمل كتابة الضبط، وأن القاضي غير ملزم بتحرير الحكم بواسطة الحاسوب، وأن أي مساءلة للمظهر الخارجي للحكم القضائي لا تلزم القاضي».

حجج المعارضين لنشر يمكن اختصار قول المعارضين في ما تضمنته مقالة بجريدة الصباح يوم السبت 15/03/2014 للناطق باسم الودادية الحسنية للقضاة، ويمكن تلخيصها في النقط التالية:

* اعتباره أن نشر الأحكام القضائية تطاول على الدستور وعلى المؤسسة القضائية استنادا إلى المادة 115 من الدستور.

* اعتباره أن التعليق على الأحكام الابتدائية والاستئنافية خط أحمر وتجرمه الفقرة الأولى من الفصل 266 من القانون الجنائي، وتدخل بغير صفة في عمل المسؤولين القضائيين يجرمه الفصل 380 من القانون الجنائي.

* اعتباره أن نشر الأحكام والتعليق عليها بمثابة تحجير على القضاة ومحاكم تفتيش أريد تنصيبها ضدهم.

* تقريعه لمن اعتبرهم قضاة مبتدئين وقضاة يغلب عليهم تخصهم الإداري ولم يتفقهوا في القانون الجنائي.

وهنا يحق للقارئ أن يتساءل: هل نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها بهذه الدرجة من الخطورة، التي جعلت الناطق الرسمي للودادية الحسنية للقضاة يتدخل بهذا الأسلوب؟

إن نشر الأحكام القضائية والتعليق عليها لا يشكل أي تطاول على الدستور، ولا يحتاج إلى إذن من رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وإن الاستدلال بالمادة 115 من الدستور في غير محله، لأن المادة المذكورة تنص على أن الملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وتبين تركيبة المجلس المذكور، ولا علاقة لها بنشر الأحكام. وإن المادة الوحيدة في الدستور التي نصت على حق الحصول على المعلومة ونشرها هي المادة 27.

ثم إن نشر الأحكام والتعليق عليها في الحدود المتعارف عليها لا يمكنه أن يشكل بحال من الأحوال تحجيرا على القضاة، ولا يمكن وصفه بمحاكم التفتيش.

أما القول بأن المادة 266 من ق.ج تجرم نشر الأحكام الابتدائية أو الاستئنافية فإنه يحتاج إلى نظر وتحليل عميق لا يسعفنا الزمن ولا المكان للخوض فيه، ونكتفي بما يلي:

تنص المادة 266 من ق.ج: «يعاقب بالعقوبات المقررة في الفقرتين الأولى والثالثة: الأفعال أو الأقوال أو الكتابات العلنية التي يقصد منها التأثير على رجال القضاء قبل صدور الحكم غير قابل للطعن في قضية ما».

فهل تنطبق هذه الجريمة على التعليق على حكم قضائي أو نشره؟ وبعبارة أوضح، إذا جاء في تعليق أحد رجال القانون أن الحكم موضوع التعليق لم يحترم مقتضى قانونيا أو خالف قاعدة قانونية أو قام بتحليل نص قانوني على نحو مخالف للفهم الذي أعطته المحكمة في حكمها، هل يعتبر هذا تأثيرا على القضاء؟

لقد أجمع شراح القانون الجنائي على أن الأفعال والأقوال والكتابات العلنية التي يقصد منها التأثير على رجال القضاء، هي تلك الهادفة إلى تخويف القضاة أو تهديدهم، وأن التعليق على الأحكام لا يدخل ضمن هذه الأفعال المجرمة. وقد جاء في كتاب وزارة العدل «القانون الجنائي في شروح لسنة 1968 الصفحة 244 ما يلي: «ومن الطبيعي أن لا تدخل في مدار تطبيق هذا الفصل (266) الانتقادات الموضوعية والتعليقات العلمية الواردة بشكل مجرد من الفرض من قبل الفقهاء ورجال القانون».

أما القول بأن تقييم عمل القضاة من صميم أعمال الرؤساء والوكلاء، وأعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وأن نشر الأحكام والتعليق عليها هو تدخل بغير صفة في عمل هؤلاء ويجرمها الفصل 380 من القانون الجنائي، فهو تأويل خاطئ لمفهوم المادة المذكورة، ومخالف لمبدأ شرعية التجريم والعقاب. فقد نصت المادة 380 من ق ج على أنه: «من تدخل بغير صفة في وظيفة عامة مدنية كانت أو عسكرية أو قام بعمل من أعمال تلك الوظيفة، يعاقب بـ…»

فالركن المادي لهذه الجريمة هو السلوك الإجرامي الذي قوامه قيام أحد الأشخاص بانتحال وظيفة من وظائف الدولة، أو انتحال صفة الموظف العمومي. 

فهل يدخل التعليق على حكم قضائي في زمرة هذه الأفعال؟

 

إلى الناطق باسم الودادية: إنك لا تعرف الشباب من قضاتنا

لقد ذهب صاحب المقالة إلى أن التعليق على الأحكام يدخل في أعمال المسؤولين القضائيين، والحال أن تقييم عمل القضاة الموكول إلى هؤلاء نظمه مرسوم 1975 المحدد لشروط وكيفية تنقيط القضاة وترقيتهم من الدرجة والرتبة، ويتعلق بالمعايير المعتمدة لترقية القضاة من خلال النقط التي يمنحها كل مسؤول للقاضي الذي يعمل بالمحكمة التي يشرف عليها، في حين أن تقييم أداء المحاكم عن طريق نشر الأحكام والتعليق عليها لا يهدف إلى ترقية القضاة وإنما يهدف إلى تحسين جودة العمل القضائي.

وبخصوص التقريع الصادر عن صاحب المقالة في حق من اعتبرهم قضاة مبتدئين وآخرون ذوي الاختصاص الإداري لا يفقهون في القانون الجنائي، فليس من اللائق أن يصدر هذا الكلام المتعالي عن ناطق باسم جمعية للقضاة، وإلى صاحب المقالة أقول: إنك لا تعرف الشباب من قضاتنا، لأنك لم تشاركهم المداولات أو الندوات، فهؤلاء الشباب الذين اعتبرتهم غير متفقهين في القانون الجنائي، يتمتعون بمؤهلات قانونية تجعلهم في مصاف الفقهاء، فلا تحط من قدرهم رجاء.

وختاما إذ أشاطر صاحب المقالة الرأي حول الدور الذي لعبه كبار قضاة المملكة، فإن الأمانة تقتضي ألا ننسى الدور الذي قام به المحامون الشرفاء والفاعلون الحقوقيون، أمثال الأستاذ النقيب عبد الرحمان بنعمرو والأستاذ عبد الرحيم برادة وغيرهم كثير، في الدفاع عن حقوق القضاة واستقلال القضاء، والذين ساهموا بشكل كبير ومازالوا يفعلون في سبيل الوصول إلى سلطة قضائية مستقلة وقضاة أكفاء ونزهاء.

قاض سابق، عضو مؤسس لنادي قضاة المغرب

 ورئيس المنتدى المغربي للدفاع عن حقوق القضاة

شارك المقال

شارك برأيك
التالي