مَكرُ التاريخ

31/03/2014 - 20:56
مَكرُ التاريخ

 أما الثانية فقدمها في المؤتمر الدولي الثالث لمركز دراسة الإسلام والديمقراطية في تونس، الذي اختار، هو الآخر، عنوانا لا يختلف في دلالته وأبعاده عن السابق، وهو: «الانتقال الديمقراطي في تونس.. الانجازات والتحديات». وفي المداخلتين معا، وهذا ما حرصت على فهمه شخصيا، ثمة خيط ناظم لأفكاره، وأبعاد خطابه: تسويق ذكي لأطروحات حزبه، وسعي حثيث إلى تعميق إقناع المتلقين، المنتسبين إلى الطبقة العالِمة في الغرب وصناع القرار، بمركزية الدور الذي لعبه حزب النهضة في تيسير شروط الانتقال الحاصل في تونس، والتضحيات التي قدمها من أجل بناء نموذج ناجح لإمكانية المواءمة والمطابقة بين الديمقراطية والإسلام. ففي المناسبة الأولى، التي احتضنتها عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسيل، حضرها أكادميون، وسفراء غربيون، وصناع قرار من الدوائر العليا لصياغة السياسات. وفي المناسبة الثانية موّلها وافتتح أشغالها سفراء الدول الكبرى، من أمريكا، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، إلى جانب الهند وأقطار عديدة أخرى، بالإضافة إلى حضور ثلة من الباحثين والمتابعين التونسيين.

 عُمدة كلام الشيخ الغنوشي، في تقديري، ما أفصح عنه بصراحة واضحة، في سياق مداخلته الثانية، من أن «النهضة وهي تخوض تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وتصنع فصوله إلى جانب شركائها، لم تتنكر قط لمبادئها، ولا لأفكارها، ولم تتنازل عن جوهر ما شكل منذ تأسيسها عام 1981 رصيدها  الإيديولوجي والنظري، الذي أصّله وعبّر عنه كتابه العُمدة «الحريات العامة في الدولة الإسلامية».

 أتذكر جيدا حين صدر كتاب الغنوشي عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت سنة 1993، مُنع تسويقه في مجمل البلاد العربية، باستثناء لبنان، ولم يسمح به إلا بعد سنوات طويلة. والواقع أن من يقرأ هذا الكتاب، الذي  حرر الشيخ فصولا منه وهو داخل السجن، يستغرب لماذا كان مصيره المنع، أو الحرمان من التسويق، لأن عمق أطروحاته وأفكاره، مما يدخل ضمن خانة الرؤية المعتدلة للإسلام.. الإسلام الذي لا ينبذ الغرب، ويكفِّر الآخر، وينظر إلى الديمقراطية، بوصفها ثقافة ومنهجا، غير متناقضة مع الإسلام ولا متعارضة معه، وهذا ما أعاد تأكيده في منتدى بروكسيل ومؤتمر تونس. ولست أدري هل صدفة أم من مكر التاريخ أن تصبح أفكار هذا الكتاب، التي عانت من المنع، والحرمان من التسويق، مسموعةَ اليوم، بل وممارسة، وموجهة لتجربة تحمل أكثر من مؤشر على النجاح في المنطقة العربية؟؟. ثم إن الغرب نفسه، وهذا وجه  آخر لمكر التاريخ، الذي ساندت حكوماته لعقود النظام السابق في تونس، بدعوى التخوف من تصاعد الإسلاميين والإسلام السياسي تحديدا.. هذا الغرب هو نفسه الذي استضافت عاصمة اتحاده، الشيخ لتستمع إلى آرائه حول ما يجري في بلده، وفي بلاد المنطقة العربية ككل، بل وليُبديَ المتابعون اهتماما وانشدادا كبيرين لمداخلته. إنه مكر التاريخ حقا.

أفهم جيدا أن الأفكار والمواقف ليست أمورا معلقة في الهواء، بل هي أولا وأخيرا معطيات محكومة بالسياقات التي تُقررها وتتحكم فيها، وأعي تمام الوعي أن ثمانينيات، وحتى تسعينيات القرن الماضي، ليست هي ظروف الألفية الجديدة، فما بين التاريخين استجدت متغيرات كثيرة، وتبدلت أمور عديدة، بل وسقطت نظم لم يكن واردا سقوطها في الزمن المنظور. أما وأن أفكار حركة النهضة لقيت طريقها إلى التطبيق، وأن الخطاب المعبّر عنه على لسان شيخها، أصبح مسموعا ومقبولا، وفي أحيان كثيرة مطلوبا، فذاك مما يؤشر إلى تطور نوعي في منظومة الأفكار والمواقف المتبادلة.. فالحركة الإسلامية في تونس، وهذا وجه آخر لمكر التاريخ، فتح لها الحراك، من حيث لا تدري، فرصة تاريخية لتسويق أفكارها واختبارها في الممارسة، وشجع الغرب، الذي ناصرها العداء لعقود، على الشروع في بناء الثقة حُيال ما تدافع عنه، وتختبره في الممارسة.. إنها لحظة التقاء بدون سابق موعد فعلا؟؟.

شارك المقال