أضعف الإيمان

04/04/2014 - 21:03
أضعف الإيمان

وبين تحريرها من عِقال الحبر الذي حُررت به والسماح لها بالنزول إلى الحياة اليومية للمغاربة لترافقهم في الشارع وترتشف معهم الشاي على ناصية المقهى. وفي جعبة القائمين على شؤون بلادي الكثير والكثير من الأعذار تجنبهم عناء بناء الجسور الضرورية لعبور هذه الهاوية. ولعل أهم عذر/ سلاح يرفعه هؤلاء في وجه أي توجه يدعم حرية الفرد هو «الخصوصية».. هذا المفهوم الهلامي والزئبقي الذي يعني كل شيء ولا يعني شيئا محددا في الآن ذاته.

ومع ذلك، أحسست ما يحسه اليائس الذي يوهم نفسه بتحقيق نصر صغير، لما علمت بأن المغرب لم يرفض – على الأرجح من باب أضعف الإيمان – قرارا أمميا ينص على حرية المعتقد خلال ختام الدورة الخامسة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. ويشدد هذا القرار، الذي جرى التوافق بشأنه ولم يكن في حاجة إلى تصويت، على «ضرورة حماية حق كل فرد في اختيار معتقداته وإظهارها وممارستها بالتعليم والممارسة والتعبد وإقامة الـشعائر علانية»، كما يؤكد القرار الذي لم تعترض عليه أي من الدول الإسلامية الحاضرة خلال الجلسة الجمعة الماضية، على «حرية الأفراد في أن يكون أو لا يكون لهم دين أو معتقد.. بما في ذلك حقه في تغيير دينه أو معتقده».

إن الإقرار بحرية المعتقد كحق أساسي من حقوق الفرد، يعتبر، في تقديري، ذلك المفتاح السحري الذي يفتح ذلك الباب المفضي إلى رحاب «الفردانية الكاملة» للكائن المغربي.

فذلك الحق يحرر هذا الكائن من سطوة الدين أو بالأحرى، من سطوة أصحاب سلطة التأويل الذين يفرضون عليه تأويلهم للدين ويجبرونه على اتباعه بطرق عدة، منها ما هو ناعم يتسلل إليه عبر مسام الجلد، ومنها ما هو غير ذلك. والأهم في نظري، أن حرية المعتقد تجعل هذا الكائن مسؤولا كامل المسؤولية عن طريقة تدبير علاقاته بخالقه بعيدا عن أي وصاية، وتفرض على الدولة حمايتها من كل تحرش أو اعتداء باسم أغلبية ثقافية أو دينية أو حتى «لا دينية».

إن ضمان حرية المعتقد ركن أساسي من الأركان التي تقوم عليها العلمانية التي لا تعادي الدين، كما يروج له البعض عن حسن نية أو سوء قصد، بل إنها تحميه من التلوث بصراعات السياسة ودسائسها، وتضعه في مكانه كممارسة روحية فردية سامية، ترتقي بالفرد إلى سماوات أخرى يغتسل فيها من شوائب هذه الحياة الدنيا.

وحرية العقيدة هي التي ستنقلنا، في ما بعد، من مرحلة التسامح، الذي يكون دائما تنازلا من الجانب الأقوى ولكن بشروطه، إلى مرحلة «الضيافة» التي يفتح فيها المجتمع ذراعيه لكل طالبيها دون سؤال عن دينهم أو لونهم أو عرقهم.. و»يقبل الضيف وما يُضيفه» على حد تعبير المفكر المغربي عبد السلام بنعبد العالي.

أدرك جيدا أن كل هذا مازال في حكم الحلم هنا في بلادي، ولكن لا ضير من الحلم كما حلم مارتن لوثر كينغ يوما بزوال التمييز العنصري في بلاده، وقد تحقق له حلمه.. من يدري قد يكون لي بعضا من حظه.

شارك المقال