الديربي البيضاوي.. رواية كبيرة تحكي الدار البيضاء منذ الحماية

06 أبريل 2014 - 09:56

 وتتمنى لو كانت لديها مواجهة بين غريمين من قيمة الوداد والرجاء، حتى تعيش لحظات نشوة قلما تجود بها كرة القدم؛ اللعبة الأكثر شعبية في دنيا الناس. 

الديربي البيضاوي، في واقع الأمر، وهذا ما يقوله تاريخه أنه  يشبه رواية من المطولات؛ صلب الموضوع فيها ليس هو تحركات اللاعبين من هذا الفريق أو ذاك داخل الملعب، بل هو الدار البيضاء، ومن تم المغرب، وكيف حدث أن مضيا معا، مرات إلى الأمام، وأخرى إلى الخلف، وتراكمت تلك التطورات لتشكل ذاكرة صارت مع الوقت تصلح للحكي.

الذين يعتبرون اليوم أن الديربي مجرد مباراة لكرة القدم تبدأ حين يصفر الحكم، وتنتهي بإعلانه انصرام الوقت الأصلي وبدل الضائع هم واهمون. هي أكبر من ذلك بكثير، ويمكن من خلالها لأي مهتم بعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية بشكل عام أن يقرأ كيف تطور المجتمع المغربي عبر عقود من الزمن، ليصير ما هو عليه اليوم، سواء قبل أن تبدأ المباراة، أو بعد نهايتها، أو أثناءها، في وجوه الجماهير، أو ملابسهم، أو هتافاتهم، أو في قمصان الحكام وصفاراتهم، وتحركات رجال الأمن..، وغير ذلك من التفاصيل التي لو وضعت في صور متحركة منذ البداية وإلى اليوم، لانبهر لها كل مشاهد، وتمنى في  حال الانتهاء أن يعيد المشاهدة.

لا يمكن لأي حاك أن يتحدث عن الديربي دون أن يؤصل للفريقين معا، وبالتالي سيجد نفسه مباشرة في خضم الحماية الفرنسية، وكيف تحايل عليها الوداد كي ينشئ فرعا للكرة؟ وكيف تعاطى معها الرجاء بطريقته ليلم شمل فرق درب السلطان، إلى أن التقى الفريقان مع بداية الاستقلال، في البطولة؟ وكيف جاءت الجماهير من المدينة القديمة ومن درب السلطان يدا في يد لمتابعة أول ديربي انتهى لفائدة الرجاء بهدف لصفر، وظل المنهزمون ينتظرون الإياب لينتقموا لما سبق؟

كان إنشاء فريق مغربي في عهد الحماية محظورا، ولهذا عُرف الوداد بأنه وداد الأمة، إذ كان يجد التشجيع من المغاربة أينما حل وارتحل. حينما خرج الرجاء إلى الوجود، سيما بعد الاستقلال، أصبح هواء الدار البيضاء منقسما بين أهلها على اثنين، حسب المقولة المنسوبة إلى الراحل محمد بن لحسن العفاني، مؤسس الوداد وأيقونة الرجاء، وصار من تمة لكل ما يفتخر به، ولكل ما يعير به الآخر، من قبيل «انتوما مشي ولاد الدار البيضاء» أو «حنا هوما الشعبيين ديال بصح». وهكذا.

في وقت لاحق، وقد تغير حال المغرب، والدار البيضاء في قلبه، فقد أصبح المتحكم في كل شيء هو مؤشر السياسة في الرباط. وهكذا، صار الفريقان يحظيان بعناية خاصة جدا، أكبر من تلك التي ظلت تحظى بها الكرة من قبل الحاكم، والرياضة بشكل عام، حتى صار اليوم ممكنا القول، دون مواربة، إن الرغبة في التحكم سياسيا في مكتب الوداد أو الرجاء هو السبب في تدهور هذا الفريق أو ذلك.

هل ستكون الدار البيضاء أكثر جمالا ونظافة وتقدما من دون مباراة الديربي؟ ربما! ولكنها كانت حتما ستفتقد إلى رواية ضخمة تحكيها للعالم، وإن كانت إلى اليوم ما تزال عصية على الكتابة بتفاصيلها التي عادة ما تجعل من كل رواية عملا سرديا قويا، ويحتاج المرء إلى إعادة قراءته حتى يفهم، ويستوعب المغزى.

هذا هو الديربي البيضاوي..، أما البقية من عنف وشغب وغيره..، فهو ما كان يفترض أن يزول أثناء الكتابة الأخيرة، فإذا به يعلق في النص، ويصبح جزءا منه، يحكي بدوره تفاصيل أخرى هي سلبية بطبيعتها، لكنها واقع يوجد هو الآخر، مع الأسف! 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي