ففي البلدين معاً عبر المواطنون بحرية ومسؤولية عن إرادتهم الجماعية في التصويت على من سيتولى صناعة السياسات العمومية المحلية خلال الولاية المقبلة. فبينما صَفع جزء يسير من الفرنسيين يسارَهم، وعاقبوا حكومته على محدودية الأداء وضعف الإنجاز، أهدت نسبة مهمة من الجسم الانتخابي قُبلةً عثمانية للحزب الحاكم، أي العدالة والتنمية.
تنطوي العمليتان الانتخابيتان على دروس سياسية جديرة بالاهتمام والتحليل. ففي الحالتين معاً، وهذا هو الدرس الأبرز، انتصرت الديمقراطية، أي إرادة الناس في التعبير بحرية عن حقهم في الاختيار دون خوف أو تدليس وتزوير.أما الدرس الثاني، فيكمن في معاقبة الجسم الانتخابي، كل بطريقته، من وجبت معاقبته. تلقى الاشتراكيون في فرنسا صفعة مُخجِلة، أفقدتهم مواقع انتخابية مُحصّنة بالنسبة إليهم، لصالح منافسيهم من اليمين، واليمين المتطرف فهكذا، أفضت نتائج اقتراع الدور الثاني [ 30 مارس 2014] إلى تصدر اليمين أغلبية البلديات التي يفوق عدد سكانها 9000 نسمة، وفاز نظيره اليمين المتطرف بـ 13 بلدية، يتجاوز عددها السكاني تسعة آلاف نسمة، مسجلاً بذلك تقدما نوعيا لم يدركه منذ تأسيس حزب الجبهة الوطنية. أما النتائج النهائية للبلديات، فمنحت الصدارة لليمين بـ3 ،46 في المائة، مقابل 91، 45 في المائة لليسار، في حين ارتفعت حصّة اليمين المتطرف لتصل إلى 84 ،6 في المائة، وإذا جمعنا أصوات اليمين بكامله، فإن الأغلبية ستؤول لصالحه لتفوق 54 في المائة من إجمالي المشاركين في الاقتراع.
أما في تركيا، فلم يفقد حزب العدالة والتنمية تصدّره قائمة النتائج منذ فوزه الأول عام 2002 ـ 2003. كما أن المشاركة ظلت مرتفعة، حيث وصلت 80 في المائة، وتوزع تصويتها على الأحزاب الوازِنة في المجال السياسي التركي. وعلى الرغم من بقاء حزب العدالة والتنمية على رأس قائمة الأحزاب المتنافسة بـحوالي 45 في المائة، مقارنة مع «حزب الشعب الجمهوري» [84 ،25 في المائة]، وحزب الحركة القومية [67 ،17 في المائة]، فقد تراجع نسبياً مقارنة مع ما كان عليه سابقا. لذلك، إذا جمعنا كل أصوات المعارضة المحصل عليها في الانتخابات البلدية الأخيرة، فستتجاوز عتبة الخمسين في المائة، وستكون تاليا متقدمة على حزب العدالة والتنمية.
من الدروس المُستفادة من صفعة الفرنسيين وقبل ذلك الأتراك، أن حين تكون الثقافة الديمقراطية ناظِمةً لآلية التصويت، تكون العملية الانتخابية لحظة سياسية بامتياز، ليس للخاسرين فقط، بل للفائزين أيضا. ففي فرنسا أبلغت نتائج البلديات اليسار الفرنسي، والحزب الاشتراكي تحديدا، رسالة مفادها أن شرعية الانتخاب تستوجب بالضرورة شرعية الإنجاز، أي القدرة على التفكير الخلاّق في صياغة السياسات العمومية، المُفضية إلى إقناع الناس، عبر النتائج وبواسطتها، أن هناك تغييرا إيجابيا حثيثاً وملموساً في حياتهم ومعيشتهم، لأن ليس بالخطب الرنانة والتصريحات المنمقة يعيش الناس. ولذلك، وبعد استيعاب مغزى رسالة الخسارة، استعجل الاشتراكيون التعديل الحكومي، والإسراع في رسم آفاق جديدة لبرنامجهم الجديد، مركزين على ثلاث نقط اجتماعية مفصلية، هي: إعطاء قوة جديدة للاقتصاد الفرنسي، ترسيخ روح العدالة الاجتماعية، ورفع القدرة الشرائية للمواطنين الفرنسيين. أما في تركيا، فيبدو أن حزب العدالة والتنمية أدرك من جهة حقيقة التحديات التي تترقب إضعافهم، لاسيما من قبل المعارضة بكل أطيافها، العلمانية وغير العلمانية، وازداد اقتناعه بأن الطلب عليه، وعلى برنامجه وإيديولوجيته، مازال له تأثيره في قاعدة واسعة من الجسم الانتخابي، لأسباب موضوعية لها صلة بما حقق الحزب من نتائجه اقتصادية واجتماعية منذ العام 2003. ومن جهة، ولعلها نقطة لا يقع الانتباه إليها كثيرا، أن الدولة العلمانية التي أحدثتها الكمالية [1923 ـ1924]، ونشرت قيمها بالقوة، خلقت، مع الزمن، شريحة اجتماعية واسعة وكبيرة، هي اليوم تنتقم للكمالية، وترى في حزب العدالة والتنمية البديل المعبر عن عقود الظلم الذي لحقها، وأن حتى اليوم، لا يوجد داخل حظيرة الحركات الإسلامية من يشكل بديلا عن حزب العدالة. لذلك، لم يكن أمامهم أي خيار سوى إعادة التصويت على حزب العدالة، على الرغم من تهم الفساد التي وُجّهت إلى قادته.