تلك العاصفة التي حركتها عن قصد يد كانت تخشى من الخطى التي كانت تحثها «البيضاء» على الدرب المفضي إلى «المدينة/ الحاضرة(cité)»، فأغرقتها في مستنقع من العنف معمارا وممارسة، وخنقت أنفاسها بأحزمة الفقر، وأدمت روحها بالتطرف الديني والمخدرات والتشرميل…إلخ.. تلك العاصفة التي تحاول عبثا تظاهرة «أيام تراث البيضاء» منذ بضع سنين تبديد بعض سحبها الرملية الكثيفة.
بل سألوذ بتلك المدينة الأخرى التي كانت تسكنني وتسحرني والتي مازالت تجعلني «أفوح»، بيني وبين نفسي على الأقل، بأنني «كزاوي» وبأنني سليل تربتها وإن كانت أصولي تبعد عنها بمئات الكيلومترات، والتي كانت تمنح حياتي البسيطة فيها بعدا ملحميا أو يكاد.
فلما كنت يافعا ثم مراهقا، في الثمانينيات، كنت أتحين الفرصة لكي «أنزل» إلى «لمدينة» – أسوة بكل من كانوا يعيشون في الأحياء الشعبية بالدار البيضاء (درب السلطان، الحي المحمدي، المدينة القديمة…) على الأرجح- لأن شعورا غامضا كان يغمرني ويوحي لي بأنني على هامش البيضاء رغم أنني كنت أعيش في قلب أحد أشهر أحيائها الشعبية. وحتى أليق بهذه «لمدينة» كنت أحس أنه يجب عليّ الالتزام بمظهر معين قبل الانطلاق إلى الهدف مشيا أو على متن الحافلة رقم «6»، تلك «السفينة الزرقاء» التي تربط هذا الهامش بذلك المركز.. هذا الحي «الممل» بذلك المكان المثير للدهشة.
وما كان يثيرني أكثر من غيره هو المعمار الباذخ الذي كنت أحس أن روحا سرية تسري فيه وتجعل أحجاره نابضة بحياة أفتقدها في البنايات الملساء والكئيبة التي تؤثث الحي الذي أعيش فيه(فيما بعد سأعرف أن البيضاء كانت مختبرا للهندسة الأوروبية الطليعية في بداية القرن العشرين).
وكنت أحرص على جمع ثمانية أو عشرة دراهم لأظفر بالجلوس على المقاعد الجلدية لسينما «ريالطو» أو «تريونف» أو «لانكس» وإن كنت لن أشاهد سوى فيلم واحد على عكس سينمات أحيائنا الشعبية التي كانت تعرض فليمين. وكنت ألملم كل شجاعتي وأتجرأ على هيبة مكتبات وسط المدينة وأتجول بين أروقتها ثم أخرج منتشيا برائحة الورق وفي ذاكرتي ما تيسر من العناوين وكثيرا من الأمل في العودة ومع ما يلزم من الدراهم لشراء بعضها.
وفي المساء نعود إلى الحي بزهو من حقق نصرا في معركة خرافية ونصدح أمام الأقران» كنا في المدينة».
فيما بعد اكتشفت أن البيضاء هذه جنية لم تكن تسكن من يعيشون فيها فقط، بل كانت – ولعلها مازالت- تُؤثث خيال الكثير من الذين أراد لهم حظهم ألا يولدوا فيها أو ينتقلوا باكرا للعيش فيها. وقد حكى المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي كيف أن البيضاء كانت تسكن «أحلامه وأوهامه» لدرجة أنه لم يتردد وهو في التاسعة من عمره في «الفرار» من الجديدة ليكتشف هذه المدينة التي سحرته مثل آلهة إغريقية.
كان هذا في الأربعينيات من القرن الماضي، قبل أن تزحف تلك البداوة على هذه «البيضاء» التي كانت تتهيأ بجد لتكون تلك «المدينة»/ «الحاضرة» (cité) التي تأخذ بيد المغرب والمغربي وتقود إلى رحاب التمدن والحداثة الحقيقية، لأنها المدينة التي فتحت أكثر من غيرها حضنها – ومازالت على كل حال- لكل ألوان قوس قزح المغربي، ومنحت الجميع بسخاء اسمها سواء الذين ولدوا فيها أو الذين استقروا بها وحتى الذين وجدوا أنفسهم فيها دون أي تخطيط مسبق.
نعم كنت أقوم بكل هذا وغيره دون أن ألقي بالا، بل لم أكن أعيها أصلا في البداية، لهذه البداوة التي حطت رحالها الثقيلة على صدر هذه المدينة.. هذه البداوة التي تحاول أن تُخفي وجهها القبيح بمكياج سيء من البنايات الزجاجية البراقة وأضواء الشوارع.. هذه البداوة التي لن تفلح تظاهرة خجولة من «أيام تراث البيضاء»، ولا مشاريع براقة مثل تلك التي يتم الإعلان عنها وسط بهرجة إعلامية تصم الآذان، في تبديدها، بل تحتاج الدار البيضاء إلى «جبر ضرر جماعي» يعيد الروح إلى صدرها والنضارة إلى محياها لعلها تصير فعلا «مدينة الحاضر» التي يشير إليها الروائي منيف.