الأغلبية.. وميثاقها

14 أبريل 2014 - 22:26

 والثانية عشية افتتاح الدورة الثانية للولاية التشريعية الثالثة، وانتخاب الرئيس الجديد لمجلس النواب [11 أبريل 2014]. وما بين اللحظتين شهد التحالف الحكومي ارتجاجا كاد يُطيح بكيانه، فقد خرج حزب هو أقرب إلى روح تفكير من يقود الأغلبية من باقي المكونات الأخرى، ودخل آخر لم يتردد حزب العدالة والتنمية في المطالبة برأس أمينه العام. ومع ذلك ظل الميثاق ثابتا في مبناه ومعناه، مستقرا، غير معني بما جرى ويجري في سياقه السياسي من توترات، وملاسنات، وخطابات حماسية..إنها حقا لُعبة السياسة في المغرب.

 كيف يتأتى سياسيا فهم إعادة التوقيع على ميثاق، قطع تحالف أحزابه أكثر من نصف الطريق، ولم تعد المسافة الفاصلة بينه وبين انتهاء الولاية التشريعية الحالية الكثير.. بل إن نقطة النهاية واضحة وقريبة الآن، وبعد سنة كأقصى تقدير، سيبدأ الحديث عن الانتخابات التشريعية المقبلة؟.

 نُذكِّر أن الميثاق في طبعته الأولى [16 دجنبر 2011]، اعتبره أصحابه «وثيقةً تعاقدية»، و»مرجعا للعمل المشترك»، والأكثر من ذلك أجمعوا على أنه «أساس الالتزام أمام المواطنات والمواطنين»، مما يعني أن الموقعين عليه مطالبون سياسيا وأدبيا باحترامه روحا وأحكاما، ومجبرون على تقديم حصيلة الانجاز بشكل دوري ومنتظم، انسجاما مع الميثاق نفسه الذي ألزمهم بـ»نشر تقرير سنوي  يضع المواطنين والمواطنات في صورة التقدم الحاصل في عمل الأغلبية الحكومية وآفاق العمل المستقبلية».. فأين التحالف الحكومي من كل هذا؟، وهل احترمت الأحزاب الموقِّعَة على دستورها الداخلي، أي ميثاق الأغلبية، وهي القيِّمة على تفعيل دستور البلاد واحترامه في الممارسة؟. 

 ثمة وجهان لفكرة التعاقد، والحال أن الميثاق صيغةٌ من صيغ التعاقد. يكتسي الوجه الأول طابعا قانونيا ومعياريا، يُجسده «سلطان الإرادة»، أي حرية الأطراف الموقِّعة في التحاور حول طبيعة التعاقد ومضمونه، والالتزام بالتقيّد به وتحمل آثاره. في حين يخُصّ الوجه الثاني الطابع السياسي، أي إرادة التطبيق، والاستعداد الجيد، والسعي الحثيث من أجل التطبيق ومراكمة الانجازات. والحقيقة أن الوجه الثاني للتعاقد، والحال هنا ميثاق الأغلبية، هو مفتاح العملية، والطريق الإجباري لنجاحها. وهو في الأحوال وجه مركب تتداخل في تشكيله متغيرات ذات صلة بالأحزاب أطراف التعاقد: خلفياتها الإيديولوجية والسياسية، ثقافتها السياسية، أوزانها في خريطة التحالف، ودرجة استقلاليتها في صنع قراراتها وسياساتها الداخلية. كما تتكامل معها متغيرات ذات علاقة ببيئة النسق السياسي المغربي، من حيث تفاعلات مكوناته، وموازين القوى الناظِمة لعلاقاتها، وحدود الاستقلالية والتبعية في ما بينها.

  لذلك، ليس العيب في نص الميثاق ومضمون التعاقد، وإنما العطب في أطرافه والموقعين عليه، أي أن العِلّة ليست في النص أو النصوص، كما يُقال، ولكن في النفوس. فقراءة الميثاق، سواء في طبعته الأولى [2011]، أو في نسخته الثانية [2014]، تُقنع بوجود رؤية واضحة، ومتماسكة، لما يجب فعله في مضمار العمل المشترك، سواء من حيث المرتكزات، أو من حيث الأهداف والمقاصد والآليات. وحين نشدد على علّة النفوس، أو بلغة سياسية طبيعة الثقافة السياسية الحاكِمة لسلوك أطراف التحالف، فإننا نروم التأكيد على ضعف إرادة العمل المشترك، ومحدودية الجرأة في الذهاب بعيدا في البحث عن المشترك، والنجاح في إدراكه، والانشداد إلى الذات وحساباتها. ثم إن الطريق السالك والمفضي إلى العمل المشترك، يتأتى بوجود حدّ أدنى معقول من المشترك فكريا وإيديولوجيا وسياسيا، والحال أن التحالف الحكومي الراهن يعكس بقدر كبير الفسيفساء المميز للحياة الحزبية والسياسية المغربية، ومن يتأمل في تاريخ وعمق خلفيات المكونات الأربعة للتحالف الحكومي، يجد نفسه، دون عناء، أمام أطباق مختلفة من «الإيديولوجيات» والأفكار، تمتد من « اليسار» وحتى «الإسلام الحركي»، مرورا باليمين والوسط».

 ففي المحصلة، يبقى الميثاق سجين أصحابه، مرتهنا بأوضاعهم الذاتية والموضوعية، فهم وحدهم القادرون على إعطائه الروح التي تُنقِلُه إلى تعاقد حقيقي منتِج لآثاره، المعبرة عن مرتكزاته وأهدافه، أو بالعكس تُبقي عليه مجرد إعلان عن نوايا ليس إلا. وفي كل الأحوال، لم يبق أمام أطراف الميثاق مسافة كافية من الوقت للوفاء بكامل التزاماتهم، وسيكون الوقت كافيا للمواطنات والمواطنين في الحكم على حصيلة أدائهم.

شارك المقال

شارك برأيك