فالكل لا يملك القرار السيادي الكامل على أهم لحظة سياسية لمشاركة مواطنيه. فهكذا، تعذر على البرلمان اللبناني التوافق على رئيسه في جولة الثالث والعشرين من أبريل الجاري، وينتظر اللبنانيون ما تحمله جولة الأربعاء المقبل [30 أبريل 2014]. وفي مصر أُسدِلَ الستار على الترشيحات بقبول مرشَّحين يعكسان حقا الشّرخ الذي أصاب هذا البلد منذ الصيف الماضي، والذي ستكون له ظلال على رئاسيات 26 و27 مايو المقبل. وفي الشام الجريحة، أعلن عن الثالث من يونيو المقبل تاريخاً لإجراء الانتخابات الرئاسية. أما في العراق فاقتراع 30 أبريل في أوج حملته، والكتل المتنافسة ما انفكت تشحذ لغة الطائفية، وتتبارى في توظيفها لاستمالة ناخبيها. أما في الجناح الغربي للبلاد العربية، فبعد انتخاب العُهدة الرابعة قبل أيام في الجزائر، يُنتظر إجراء انتخابات رئاسية في موريتانيا في الحادي والعشرين من يونيو المقبل، كما يستعد التونسيون لاستكمال وضع الدستور بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.
قرأت قبل سنوات كتابا بديعا لصديق باحث، أعدّه في الأصل باللغة الإنجليزية قبل أن يتولى مركز دراسات الوحدة العربية ترجمته إلى العربية، يحمل عنوانا دالاً: «انتخابات من دون ديمقراطية». والحقيقة أن ليست الانتخابات دائماً طريقاً إلى الديمقراطية، على الرغم من أنها إحدى آلياتها المطلوبة. فقد أجرت البلاد العربية عشرات الانتخابات، منها ما هو مزوّر بالمكشوف، وأخرى تنافسية بالتمويه، وقليل منها حظي بشرعية النزاهة والقبول..لذلك، ظل عصيا على صناديق الاقتراع إفراز قوى سياسية مشروعة، والمساهمة في توطين ممارسات ديمقراطية.
لن تشذ الانتخابات العربية الجارية عن سابقاتها، وإن تغيرت ظروفها وسياقاتها إلى حد ما، ربما قد تُستثنى الحالة التونسية من هذا التوصيف. فمن تابع الحملات الانتخابية في العراق، يلمس، دون عناء، كيف هيمنت النزعة الطائفية على خطابات الكتل المتنافسة، وغابت الأبعاد والرؤى الوطنية لمستقبل العراق، على الرغم من مرور إحدى عشر سنة على انطلاق العملية السياسية. وفي مصر، لا يختلف اثنان في أن المجتمع انقسم على نفسه منذ الصيف الماضي، ولا يبدو أن هناك مؤشرات فعلية لأن يكون الاقتراع الرئاسي لحظة سياسية لتعبير المصريين عن اختلافهم في ظل الوحدة الوطنية. وفي لبنان، حيث تعتبر الديمقراطية التوافقية جوهر السياسة، يبدو أن البحث عن الرئيس التوافقي مازال بعيد المنال نسبياً، وأن على الرغم من الحنكة السياسية للبنانيين، قد يعيش البلد فراغاً رئاسياً إلى حين. وفي سوريا، لا يظهر لعاقل أن ثمة حداً أدنى من المعقولية لإجراء انتخابات رئاسية في هذا البلد الجريح.
سنكون إذن أمام انتخابات عربية من دون ديمقراطية.. وما يؤكد رجاحة هذا الاحتمال، أن لا بلد عربي من البلدان المشار إليها أعلاه قادر على الذهاب بعيداً في تكريس اختياراته في العملية الانتخابية والنتائج المتوقعة منها برمتها. صحيح أن السياق الداخلي له تأثيره الخاص، لكن للعوامل الإقليمية، والضغوطات الدولية، هي الأخرى، القول الفصل في بعض هذه البلدان، وإن بدرجات مختلفة من حيث الحدة والوقع. أما القصد بالقوى الإقليمية، فنعني الدول التي كان لها تقليدياً دور مؤثر في ما يجري في المنطقة العربية، أو تلك التي أصبح لها هذا الدور، المادي أو المعنوي أو هما معا، مع انطلاق الحراك العربي في السنوات الثلاث الأخيرة، سواء تعلق الأمر بتركيا، أو إيران، أو قطر، وإلى حد ما الإمارات. وطبيعي أن يكون المقصود بالقوى الدولية، تلك التي احتفظت، منذ عقود، بمناطق نفوذ في المنطقة، أي الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وفرنسا.
ومع ذلك، وعلى الرغم من احتمال تأثير الانتخابات العربية الجارية على عملية الدمقرطة، بشكل قوي وفعال، فإن الموضوعية تقتضي التأكيد على أن ثمة تغيراً حدث في البلاد العربية، وهو الشروع في التحول نحو الانتخابات الرئاسية التعددية، كما هو الحال في مصر، والسعي إلى تحقيق انتخابات تشريعية تنافسية، تتلمس طريقها إلى الحيادية، والنزاهة، والشفافية. وهو، في الواقع، تحول يحتاج إلى وقت أكثر، وممارسة أوسع وأعمق، ومساهمة للمجتمع أقوى وأكثف.. إنها سيرورة متدرجة في الزمن، لا يقتصر نجاحها على القوانين والتشريعات والمؤسسات، ولكن تستلزم أيضا استعداداً ووعياً مجتمعيين لحمايتها، ورعاية استمرارها وانتظامها.