سؤال الما بعد

13/05/2014 - 22:06
سؤال الما بعد

 وماذا سيندلع من حرائق؟ وماذا سيحل بالشعب العراقي من تنكيل وتشريد؟ كان النظام يقدم، من خلال إعلامه، شخصية تشبه شخصيات الرسوم المتحركة، شخصية وزير الإعلام الذي يكيل الهزائم الوهمية للعدو، ويصدق أن «العلوج قد خسئوا»، وأن بغداد محقت أعداءها الجبناء. لا أحد وضع في حسابه احتمال الهزيمة، وما سيترتب عنها. لا أحد وضع في حسابه احتمال انهيار النظام، واحتلال العراق وتقسيمه وتركيعه. لا أحد كلف نفسه عناء تحضير البلاد للاحتمالات الممكنة، وتحضير الشعب العراقي للمحنة المقبلة، أو استشارته في ما سيقبل عليه من تضحيات وآلام. كان النظام واثقاً من نفسه، ومن خطته، ولا يتوقع مستقبلاً خارج احتمالاته، وكان متأكدًا أنه سيكون في الما بعد، كيفما كان هذا الما بعد، مأدبة انتصار مستحيل أو حقل خراب، وكان متأكداً أن الدمار الذي سيلحق بالبلاد سيذهب بكل شيء سواه، وأنه في لحظة الغرق لن يكون هناك أحد غيره، ليلقي طوق النجاة للغرقى، ليستأنف معهم إبحاراً آخر نحو غرق جديد.

العمى السياسي نفسه أصاب النظام السوري في ما بعد، عندما رفض أن يقرأ تحولات العالم من حوله، فلم يكلف نفسه عناء الإنصات إلى شعبٍ يحكمه منذ عقود بالحزب الوحيد، وبالعائلة الحاكمة، وبالجمهورية الوراثية، وبلا «صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وعوض التفاوض مع الديموقراطيين الذين نزلوا إلى الشارع، وترتيب انتقال حكيم معهم، رد عليهم بالرصاص الحي، من دون أن يفكر لحظة واحدة بمخاطر «التربص بسوريا»، والإيقاع بها في براثن حرب أهليةٍ، لا تجد لنفسها تربة أخصب من تربة العنف والتعصب. والأغرب من هذا أن لا يلتقط نظام، قائم على إحصاء أنفاس الناس، شيئاً مما حضر لسوريا، وأن لا يتوقع، وهو يمشي بين الدماء والأشلاء، أن وحوش الحرب ستتناسل حتماً في هذا النزيف، وها هو النظام السوري يتقدم نحو ما يعتبره انتصاره الوشيك على «الإرهاب»، ويحضر رئيسه، لانتخابات سيفوز فيها لا محالة «بثقة الشعب»، ولا يتوقف ليسأل نفسه، ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد خراب المدن والاقتصاد والبيئة؟ ماذا بعد تشريد الملايين، ومقتل مئات الآلاف؟ ماذا بعد خراب الروح؟ هل يمكن بناء شيء على أسس الفجائع التي لن يغفرها أحد؟

ثم ماذا بعد؟ سؤال بسيط لا يطرحه أحد في العالم العربي، ولو على سبيل رياضة ذهنية عابرة، كل شيء رهين بالمؤقت والآني، والقناعات الخاطئة لا تنهار إلا بالانهيار الجسدي لأصحابها.

لا يسأل أحد ماذا بعد تتويج عبد الفتاح السيسي في مصر، وماذا بعد تتويج بوتفليقة في الجزائر، ماذا بعد تعيين ولي عهد جديد في السعودية، وماذا بعد مجيء أمير جديد في قطر، ماذا بعد أزمة الديموغرافيا في الخليج، وبعد ميثاق اليمن وعطب البحرين، ماذا بعد النفط الموريتاني، واحتواء الإسلاميين في المغرب، واتفاق التهدئة في فلسطين، ماذا بعد عودة حزب الله من جهاده السوري، ماذا بعد الذي سيمضي، وبعد الذي سيأتي، وبعد الذي سيأتي بعده الطوفان، وماذا بعد الطوفان؟؟

أسئلة كثيرة كلها تنتمي إلى سؤال واحد هو سؤال الما بعد، والذي وجدت له الديموقراطية جواباً بسيطاً، هو التغيير ضمن الاستمرارية، ووجد له الاستبداد جواباً تراجيدياً، هو أنا أو الأرض الخراب (…)

وفي نهاية المطاف، العطب الأكبر المترتب عن غياب سؤال الما بعد يوجد في صناعة الأمل، في الواقع وفي اللغة، وهو عطب يتوج العدمية خياراً مهيمناً في الموقف والتحليل والسؤال، لكنها عدمية بلا روح، عمياء لا علاقة لها بتلك «العدمية المريحة» بتعبير سيوران، تلك التي استطاعت أن تنقذ أوروبا نفسياً وإبداعياً، بعد عتمات الحرب العالمية الثانية.

عن موقع «العربي الجديد» وبالاتفاق معه

شارك المقال