والفرق الأساسي بين هذين الصنفين من الأحداث أن الأولى تتعلق بالماضي فتحتاج منا بالضرورة إلى التوقف بين الفينة والأخرى، وبالخصوص في ذكرى وقوعها، والالتفات إلى الوراء ولو لبرهة من الزمان، والتقاطها من شريط الماضي الطويل. ومع توالي السنين وتوغلها في الماضي يقل شيئا فشيئا وهجها ويضمحل اهتمامنا بها، ويصبح تخليدها واجبا روتينيا ثقيلا، مثل الاحتفال بفاتح ماي، نؤديه بشكل آلي ونكرر فيه الكلمات الباردة التي فارقتها الروح منذ مدة.
أما الوقائع التي تنتمي إلى الصنف الثاني، فهي لا تظل سجينة الماضي، بل تصبح عالقة بالمستقبل كذلك ولأمد طويل، بمعنى أن آثارها تظل حاضرة في ثنايا «ما هو آتٍ».
فأين يمكن أن نُصنف التفجيرات المؤلمة لـ»16 ماي» التي هزت الدار البيضاء، والمغرب كله، والتي نخلد اليوم ذكراها الـ11؟
في تقديري، مكانها يوجد حتما في خانة الوقائع التي تظل عالقة بالمستقبل، ولكن يبدو أن هناك ميلا واضح لجعلها جزءا من الماضي، نلتفت إليها من باب الواجب الثقيل فقط، ونقول في ذكراها بضع كلمات معدة على عجل، ثم نطوي الورقة ونسارع إلى الانغماس في روتين حياتنا اليومية، هربا من ذكرى الألم، تماما مثلما نقوم بزيارة قبر قريب في المناسبات الدينية.
ولست هنا في حاجة إلى كثير من الجهد للوقوف على مظاهر هذا «الهروب الجماعي اللاواعي» للمجتمع المغربي ونخبته من تلك التفجيرات. فبغض النظر عن التوظيف السياسوي والأمني لما وقع في تلك الجمعة المؤلمة من ماي 2003 ( قانون الإرهاب، اعتبار البعض أن حزب العدالة والتنمية مسؤول سياسيا وأخلاقيا عما حدث، ملف السلفيين…)، لم أصادف تناولا عميقا لما حدث، لا على مستوى العلوم الإنسانية، ولا على المستوى الإبداعي (فقط، بضع روايات معظمها بالفرنسية، إحداها تحولت إلى فيلم «ياخيل الله»).
فهل يتعلق الأمر بعقم وعجز معرفيين وإبداعيين؟ أم أن هذا الجرح مازال مفتوحا وألمه يحول دون التفكير بعمق وهدوء فيما حدث؟ أم أن المجتمع المغربي والسلطة تواطآ ضمنيا على التعامل مع تلك الأحداث كأنها عاهة يستحسن إخفاؤها والاكتفاء بالقيام بأضعف الإيمان مع ذكراها، على أمل نسيانها بالمرة؟
لست أدري. في المقابل أحس أن تفجيرات «16 ماي» ستظل عالقة بالمستقبل. فهذه الأحداث تشكل تلك اللحظة التي انتقل فيها المجتمع المغربي إلى عهد جديد من العنف لم يعد فيه بعض أبنائه يترددون في اقتراف «القتل الجماعي» في حق أبناء بلدهم. فمنذ ليلة تلك الجمعة لم يعد العديد من الشبان المغاربة يخشون الانخراط في العمليات الانتحارية والقتال إلى جانب المنظمات الإرهابية سواء في العراق أو منطقة الساحل أو سوريا، وكل أعمال القتل الجماعي التي ستقترف لاحقا باسم الدين، أو باسم آخر، ستعيد «16 ماي» دائما إلى الحاضر.
كما أن هذه الأحداث ستظل عالقة في المستقبل لأنها ستدفع المغاربة، آجلا أو عاجلا، إلى وضع علاقة المجتمع المغربي بالدين والتدين على طاولة النقاش، وكذلك علاقة هذا المجتمع بشبابه، بل وبكل هوامشه التي تركت ومازالت متروكة لكل أنواع العنف.
إن «16 ماي» تعتبر من تلك الأحداث المؤسسة التي تطرح فيها الأمم على نفسها الأسلئة المؤلمة وتبحث لها عن الأجوبة الملائمة، لأنها تدرك جيدا أن تلك هي الوصفة الناجعة لكي يندمل الجرح، أما الاكتفاء فقط، بتضميده وإخفائه، فلن يزيد سوى في تعفنه.