حزب الـكَـنَـبـَة

20/05/2014 - 19:46
حزب الـكَـنَـبـَة

غير الآبهة بما يجري في عالم السياسة، ولا  متفاعلة مع التطورات ذات الصلة بأوضاعها السياسية والحياتية، بما فيها الانتخابات التي تُشكل لحظة مميزة، من حيث المشاركة والتعبير عن الرأي، والحسم في الاختيارات الكبرى. بيد أن أثر»حزب الكَنَبَة» حاسم، ومقرِّر في المعادلة السياسية، بسبب وزنه العددي، ومن ثمة ضغطه ككتلة ناخِبة صلبة على عملية التصويت ونتائجها.

 يشترك جمهور «حزب الكَنبة» في عزوف أعضائه عن السياسة والتعاطي مع قضاياها، كما تجمعهم النظرة السلبية، وفي أحايين كثيرة التحقيرية، لكل ما له علاقة بالسياسة وعوالمها. أما خلفياتهم الاجتماعية والتعليمية فمتعددة ومتنوعة، وإن كانت تمس بدرجة أساسية الشرائح الأكثر حساسية وهشاشة في الهرم الاجتماعي، من قبيل النساء، والأقليات، والشباب، وقد تمتد أحيانا إلى فئات من المثقفين والمتعلمين. ومن حيث مواقع وجودهم، تحضنهم المدن والحواضر، كما تضمّهم القرى والبوادي والأحزمة الفقيرة..إنهم منتشرون ومُنبثّون في كل مفاصل المجتمع، ومن هنا يُفهمُ دورُهم المِفصلي والحاسم في العملية السياسية.

  ليس لجمهور «حزب الكنبة» زعامة أو زعيم، ولا هيكلية تنظيمية، ولا برنامج واستراتيجية عمل، فالعفوية والاستنكاف عن التعاطي مع السياسة وتفضيل الجلوس أمام شاشات التلفزيون، هي لغته، والمشترك من القيم بين أعضائه.. بيد أن «حزب الكنبة» ليس، في المقابل، كتلة جليدية جامدة غير قابلة للخلخلة، إنه، بالعكس، كيانٌ فيه روح وحياة، ومشاعر، وقابلية للتفاعل والتدافع، حين تجتمع لديه شروط فعل ذلك، وعلى رأسها شرط الشعور بالخطر، والخوف، وفقدان الثقة في المستقبل.

  يخرج جمهور «حزب الكنبة» من صمته ليتفاعل مع محيطه حين يستبدّ الخوف به، ويتملّك جوارحَه، ويُقنعه بأن مستقبله ومستقبل ذويه في خطر. لذلك، لم يُسجّل لـ»حزب الكنبة» حضور بارز في «ثورة» 25 يناير 2011 في مصر، بقدر ما سُجّل له في تظاهرات 30 يونيو 2013، والأحداث التي أعقبتها. أما كيف ولماذا، فالحاصل أن الإمكانيات التي تتيحها وسائط التواصل الاجتماعي فعلت فعلها في تحريك المياه الراكدة لهذه الكتلة الديمغرافية الكبيرة والخطيرة الصامتة من المواطنين، أي «حزب الكنبة».

 والحقيقة إذا اعتمدنا الحملات الانتخابية الرئاسية الجارية في مصر، في ضوء ما تمّ بيانُه حول «حزب الكنبة»، نلاحظ، دون شك، الحضور القوي، المباشر أحيانا والمستتر طورا آخر، لهذا الحزب في خطابات المرشحين المتنافسين على مؤسسة الرئاسة..فكلاهما يراهن على استمالة وِدّ جمهور «حزب الكنبة»، ويسعى إلى استقطاب تصويته في حسم معركة الرئاسة. والواضح أن منهجية المرشح « عبد الفتاح السيسي»، في المحاجّة والإقناع، أكثر وعيا وتوظيفا لدغدغة عواطف جمهور «حزب الكنبة» والإمساك بمصادر أوجاعه ومواجعه. لذلك، تكررت عبارة «احناَ مع الغلبة» في تصريحات «السيسي» وخطاباته، وبنبرة مُفعمة بالعاطفة أعاد أكثر من مرة تعاطفه مع الفقراء والمهمّشين والمَقصيين.. بل أكثر من ذلك، لم يتمالك ذرف دموعه أمام صفوة من الأزهريين، وهو يتحدث عن مصر العميقة. 

  فإذا اعتمدنا نسبة عدم المشاركة في الاقتراع مقياسا للاقتراب من حجم «حزب الكنبة»، نُدرك أهمية هذا الجمهور في المعادلة السياسية في أي بلد. ففي مصر، على سبيل المثال، يُقدّر عدد النساء المسجلات في القوائم الانتخابية، ولهن حق التصويت، بسبعة وعشرين مليون ناخبة، يُضاف إليهن ثلاثة إلى أربعة مليون قبطي، ناهيك عن فئات الشباب، وهي واسعة في هرم السكان.. كل هذا، يُعطينا فكرة عن خطورة «حزب الكنبة» في أي عملية سياسية، وانتخابية تحديدا، والحال هنا ما يجري في مصر هذا الشهر..فجمهور «حزب الكنبة» يتكون بشكل مفصلي من هذه الفئات المهمة ديمغرافيا، لكن الضعيفة، وأحيانا المهمّشة، في سلم الترقي الاجتماعي والسياسي. 

 من السابق لأوانه الجزم بمدى تحريك جمهور «حزب الكنبة» واستثمار مخزونه التصويتي في الرئاسيات الجارية في مصر في هذا الاتجاه أو ذلك، لكن من المؤكد أنه حاضر في خطابات المتنافسين، ومركزي في استراتيجياتهم، ومعوّل عليه كثيرا لحسم ميزان القوى في النتائج المقبلة.

شارك المقال