قوس الاضطرابات

26 مايو 2014 - 16:40

 تسمح القُصاصات المتناثرة هنا وهناك، الصادرة عن مؤسسات الاستخبارات والأجهزة الأمنية لدول غربية عديدة، باستنتاج مفادُه أن منطقة الساحل، ومعها البلاد المغاربية، معرّضة لموجة من الاضطرابات موسومة باستعمال الأسلحة، واللجوء المنظم إلى عمليات التطرف الديني والإثني والقبلي. وقد تزامنت مع هذه التطورات وعزّزت رجاحتها التحركات الجارية في المنطقة لوزراء الدفاع وصناع القرار في مجال الدفاع والأمن في أكثر من بلد غربي، لعل أبرزها الزيارة الأخيرة لوزير الدفاع الفرنسي للجزائر، والتصريحات المتتالية لرئيس أركان الجيش الأمريكي «مارتن ديمبسي».

 ليست فرضية الاضطرابات المقبلة جديدة أو مفاجئة، إنها تحذيرات قديمة نسبيا، إذ منذ سنوات لم تتردد بعض التقارير الاستشرافية الغربية في وسمِ المنطقة المغاربية [ شمال إفريقيا] بالتوتر، والصراع، والقلاقل المحتملة، الناجمة عن الاختلالات الهيكلية التي تطبع أبنيتها العامة، والكبوات التي أصابت مسيرات التحديث والإصلاح في هذه البلاد، وإن بدرجات مختلفة. لكن ما هو جديد وضاغط في النغمة المتعالية المحذرة من موجة الاضطرابات، ما استجدّ في المنطقة من تغييرات متسارعة، وأحيانا غير قابلة للتأطير والتوجيه والتحكّم. 

 فمن جهة، تعيش البلاد المغاربية، بدرجات متباينة، وضعا انتقاليا مفتوحا، غير ثابت ولا راسخ من حيث نضج واستقرار عوامل الانتقال وشروطه. لذلك، تشترك جميعها في «القابلية» للتأثر بموجات الاضطراب، والمعاناة من نواتجه وذيوله. ومن جهة أخرى، فتحت الأوضاع المعقدة في ليبيا، منذ سقوط النظام في 19 مارس 2011، الباب واسعا أمام تداول السلاح والاتجار فيه. وإذا أمعنا النظر في الموقع الجيواستراتيجي لهذا البلد، نُدرك حجم الخطورة، ودرجة الخطر، ودقة مآلات المنطقة ككل. فليبيا تتاخم بلدين مغاربيين، هما تونس والجزائر، وتجاور بوابة دول الساحل [ التشاد ومالي]، وتلتصق بمصر، وتُطل على جنوب أوروبا.. إنها بالجملة خاصرة قوس الاضطرابات. ومن زاوية ثالثة، شكّلت مشاركة الشباب المغاربي في كل بُقع التوتر في العالم ـ منذ اندلاع أزمة أفغانستان ـ ظاهرة لافتةً.. وقد تجلى ذلك بوضوح في ما خلّفته عودة هؤلاء إلى أوطانهم حين انتهاء «الجهاد»، فقد لوحِظ تأثيرهم السلبي والضار في ما أصاب الجزائر من مآسي خلال العُشرية السوداء.. واليوم، يتجدد الضرر نفسه بعد أن ضاقت السّبُل في وجه هذه الشريحة التائهة في سوريا، التي يُقدر عدد أعضائها بأكثر من أربعة آلاف مقاتل.. أين سيتجهون؟، وهل ستفتح لهم باب التوبة ذراع إعادة الاندماج في أوطانهم؟.

 لنتصور، ولو على سبيل الافتراض، لو تحقق المشروع المغاربي، ولو في حده الأدنى، بماذا كان سيفيد أعضاءه في مثل هذه الأوضاع؟. وكم كان سيعطي لأطرافه من فائض قوة لمواجهة مثل هذه الحالات باسم الأمن الإقليمي الجماعي، ودفاعا عن استمراره؟. والأكثر من ذلك، كان سيُسعف المنطقة في أن تتحدث، وتتحاور، مع القوى الكبرى، المهووسة بما يجري في هذا القوس، من منطلق المصلحة الجماعية المشتركة، وليس من منطق آخر، غالبا ما يكون للرهانات والمصالح الدولية أدوارا مقررة وحاسمةً في تشكّله والدفاع عنه.

 فإذا انتقلنا من العام إلى الخاص، نقول إن المغرب في قلب هذا القوس، وهو بذلك ليس في منأى عن مخاطره، ولا بعيدا كل البعد عن رياحه، لأسباب موضوعية محكومة بواقع الجوار، ومقتضيات الأمن الجماعي، وضرورات التساكن. بيد أن المغرب يحتاج، علاوة على يقظته الأمنية، إلى تعميق مسيرة ردم الاختلالات الهيكلية التي انطلق فيها مبكرا، على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية..أن تثبيت خطوات البناء في هذا السجّل، هو الذي سيمنح المغرب مناعة التصدي لمخاطر قوس الاضطرابات، التي ربما، سترهن مستقبل المنطقة في السنين المقبلة. 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي