ليبيا.. تَصادمُ الشرعيات

09 يونيو 2014 - 19:44

والأكثر يزداد تخوفُهم من أن تنزلق أوضاعهُم في اتجاه المجهول، والمجهول هنا لن يكون سوى تعميق التفكك، وإذكاء نعرة الحرب الأهلية، في مجتمع مُدجّج بالسلاح، ومَهوُوس بروح الانتقام للماضي.

 تكمن خطورةُ الشعور بالانعطاف نحو المجهول في انعدام الحدّ الأدنى من شروط إدارة المرحلة الانتقالية التي دخلتها ليبيا من سقوط النظام في 19 مارس 2011. فالقوى السياسية والاجتماعية الأساسية في ليبيا متنافرة ومنقسمة على نفسها، والمجتمع المدني، على محدوديته، مُوزَّع بين تعدد الولاءات، وما يسمى بـ»الجيش الوطني»، لم يلزم حيادَه، بل تدخل بعضُ قادته السابقين، كما هو حال «خليفة حفتر»، ليقودوا حركة مسلحة، باسم «محاربة الإرهاب والدفاع عن الكرامة». لذلك، تعيش ليبيا تصادما لافتا للشرعيات، تجلَّت مظاهره في ضعف أداء «المؤتمر الوطني العام»، الذي عزّ عليه تكريس التوافق بين مكونات المجتمع الليبي، بل وتعذَّر عليه، في لحظات كثيرة، عقدَ اجتماعاته بانتظام. ويتبين ذلك،  من صعوبة الاتفاق على رئيس وزراء جديد بعد استقالة رئيس الوزراء السابق، «عبد الله الثني» في أبريل الماضي، وعدم انتزاع رئيس الوزراء الجديد «أحمد  معيتيق» شرعيةَ الاعتراف من قبل الفاعلين السياسيين المُمثَّلين داخل المؤتمر الوطني العام وخارجه.. ويُنتظر من المحكمة العليا أن تفصل يومَه الاثنين 16 يونيو في شرعية حكمِ الدائرة القانونية لوزارة العدل، القاضي بإبطال انتخاب هذا الأخير [أحمد معيتيق].

  ينطوي «تصادم الشرعيات» في ليبيا على معان عديدة، ويرمز إلى أكثر من دلالة. بيد أن الراجح، في ما نرى، أنه تصادم حول توزيع القوة بمدلولها المادي والرمزي. وإذا جاز لنا تضييق دائرة التنازع، وحصر مصادره، يمكننا القول إنه تصادم بين قوتين متنافرتين، هما «الإسلاميون»، بمختلف ألوانهم ومن يتحلّقون حولهم، و»العسكريون»، ومن يلتقون معهم، من آفاق مختلفة، حول مناهضة «الإسلاميين».. والواقع أن تقاطبا سياسيا لا يتحكّم في مجرياته الليبيون وحدهم، بل تتداخل في صنع أحداثه قوى دولية وإقليمية.. فهل معنى هذا أن الحالة الليبية تروم إعادة استنساخ نظيرتها الليبية؟. سيكون الجواب طبعا بالنفي، بسبب اختلاف السياق الليبي نوعيا عن نظيره المصري، غير أن ذلك لا ينفي وجود نوع من العَدوى المصرية، من حيث الدخول المتأخر للفيف من الجيش على خط الصراع والتصادم في ليبيا.  

 لعل ما يبدو خطيرا في ليبيا هو الجيوبوليتيك» الذي توجد فيه من جهة، وانتشار السلاح من جهة أخرى. فليبيا محاذية لأكثر من بلد، شرقا وغربا وجنوبا. واللافت في الجوار أن دوله تعيش، في مجملها، إما حالات انتقالية، أو أزمات مزمنة.. ولا يبدو السلام والاستقرار مؤكدين في الزمن القريب في ربوع هذه البلاد. ثم إن انتشار السلاح، وسهولة اللجوء إلى استعماله من الحقائق التي لا يختلف حولها اثنان..، بل إن غرائب وقصَص مذهلة تُحكى عن امتلاك الناس، كل الناس، للسلاح الذي وقع تبديده بعد الإطاحة بالنظام؟.

 كيف يمكن إذن تحويل تصادم الشرعيات إلى سيرورة إيجابية لإعادة بناء شرعية جديدة لليبيا الجديدة، ليبيا ما بعد زمن «الكتاب الأخضر»؟.. إنه سؤال الأسئلة في هذا البلد، الذي كان سبّاقا في المنطقة المغاربية برمتها إلى جلاء الاستعمار الإيطالي [1951]، ومتقدما في كتابة دستور ما بعد الاستقلال، وإرساء مؤسسات الدولة الوطنية، وإقامة حياة سياسية شبه ليبرالية؟.

  لاشك أن أولوية الأولويات في ليبيا تكمن في تقارب المتصارعين، وإنصات بعضهم للبعض الآخر، وتحاورهم، ومن ثمة توافقهم على إدارة المرحلة الانتقالية..ولعمري أنها مهمة شاقة، وتحتاج إلى قدر كبير من ثقافة المسؤولية، والتضحية، وبُعد النظر.. غير أنها ليست مستحيلة، ولا عسيرة التحقيق..إنها طريق سالك، إذا تضافرت الإرادات وحسُنت النيات، وحضرت ليبيا، كوطن وبيت للعيش المشترك.

 وفي المقابل، ليس مستقبل ليبيا بيد الليبيين وحدهم مع الأسف..سيكون ثمرة جهدهم، ومحصّلة ذكائهم في التعامل مع الآخر المحيط بهم إقليميا، والمشرئب إلى بلدهم. لا ننسى الدور المفصلي الذي قامت به «منظمة حلف الشمال الأطلسي» في إسقاط رأس النظام، والأدوار التكميلية التي لعبتها دول عربية إقليمية، وخليجية تحديدا. لذلك، تبدو الحالة الليبية أكثر تعقيدا من نظيراتها العربية، إذا نحن نظرنا إليها من زاوية الداخل في تفاعله مع الخارج. 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي