الهواتف الذكية

09 يونيو 2014 - 22:10

 لقد طفح بها الكيل، وأصبحت تخشى على مصالحها وثقة الملايين من الزبناء في خدماتها، فماذا قال تقرير من 40 صفحة، أعده خبراء الشركة حول تعرض شبكتها الموجودة في 29 دولة عربية وأوربية وإفريقية للاختراق والتجسس غير القانوني…

اعترفت vodafone لأول مرة بأن شبكتها الهاتفية تتعرض للاختراق المنتظم، وأن مخابرات عدد من الدول تتجسس على مكالمات زبنائها حتى دون إذنها. وأوضح بيان حقيقتها أنها لا تستطيع منع الدول حيث توجد، ومنها دول عربية وإفريقية وأوربية، من التجسس على الزبناء والتقاط مكالماتهم مخافة سحب الرخصة منها، أو سجن موظفيها، أو المس بمصالحها، لكن في الوقت نفسه قالت الشركة إن هذه الممارسات تضعف علاقة الثقة بينها وبين زبنائها، وإن التقاط المكالمات يجب أن يتم بمقتضى القانون وإجراءاته، وبعلم الشركة حتى لا يكون هناك اعتداء على خصوصيات الزبناء ومعطياتهم الخاصة. 

وحاولت شركة فودافون العالمية إحراج الدول التي تعمل فوق أراضيها من خلال تقرير تحدث عن الطرق التي تتبعها الحكومات للتجسّس على المكالمات الهاتفية لمواطني تلك الدول. وقالت إن هناك أسلاكا سرية رُبطت بشبكاتها وشبكات غيرها من الشركات تمكِّن الأجهزة الحكومية من التنصت على كل المكالمات التي تجرى عبر شبكتها. وقالت شركة فودافون إن التنصت يُمارس على نطاق واسع في عدد من البلدان التسعة والعشرين التي تعمل فيها الشركة، حيث يوظف «الريزو» حتى لتعقب المشتركين، ومعرفة أماكن وجودهم وتحركاتهم. 

وقال ناشطون في مجال الدفاع عن الخصوصية إن ما كشفته شركة فودافون «سيناريو مرعب» أكد ما كان يساورهم من مخاوف بشأن اتساع عمليات التجسس والمراقبة، وأكد ما قاله العميل سنودون سابقا. 

إذا كانت فودافون، وهي شركة عالمية، تمتلك نصف جرأة لإعلان رفضها للاعتداءات على سرية المكالمات، وذلك بإخراج موضوع التجسس على المكالمات خارج القانون إلى العلن، فإنها لم تمتلك الجرأة كلها لتفضح الدول بأسمائها والزبناء الذين انتهكت خصوصياتهم… لكن تبقى هذه الخطوة أفضل من قانون الصمت الذي يخرس باقي شركات الاتصالات في العالم، ويمنعها من الحديث علانية حول الموضوع.

لقد بات شائعا بين السياسيين ورجال الأعمال وكبار الموظفين في الإدارة والصحافيين، وحتى الوزراء، امتناعهم عن الحديث في الهواتف المحمولة، أو لجوؤهم إلى التخلص من هواتفهم عندما يكونون بصدد الحديث في موضوعات لا يريدون للآذان الكبرى أن تسمعها. الشيء نفسه يقال عن البريد الإلكتروني، حتى إن بعض المسؤولين بدؤوا يتخلون عن الهواتف الذكية ويعودون إلى الهواتف البدائية لأنها أقل عرضة للاختراق، وكل هذا يجري دون تحميل شركات الاتصالات ولا المؤسسات المكلفة بالضبط والتقنين أي مسؤولية عن حماية سرية المراسلات والمعطيات الخاصة التي تحميها كل الدساتير في الدول الديمقراطية أو الاستبدادية، على السواء.

 لقد كشف المخبر الأمريكي المنشق، سنودون، أن أجهزة المخابرات الأمريكية والأوربية وغيرها طورت آليات لمراقبة ملايين المكالمات الهاتفية وملايير الرسائل الإلكترونية. أكثر من هذا، تستعمل الأجهزة السرية أدوات تتحول معها أجهزة الهاتف إلى كاميرات وسماعات تشتغل طوال الوقت حتى دون إجراء المكالمات، وتنقل كل المحادثات والصور التي تجري في محيط الهاتف وصاحبه، وتسمح بتحديد أمكنة وجود الأشخاص والمحيطين بهم.

بقدر ما فتحت التكنولوجيا إمكانات تطور كبيرة أمام البشر، فقد طرحت، في الوقت ذاته، إشكالات أخلاقية وقانونية حول طرق استعمال التكنولوجيا، وقدرة المجتمعات على حماية قيمها وحرياتها الفردية، ومكتسباتها الحقوقية، فالحرية لا تقل قيمة عن الأمن حتى نضحي بها، ومحاربة الإرهاب لا تبرر خرق خصوصيات الأفراد والجماعات، وإطلاق يد الأجهزة الأمنية بدون رقابة قانونية وقضائية يهدد الديمقراطية في حد ذاتها، وحقوق المواطنة التي تدعي هذه الأجهزة حمايتها.

في الكونغرس الأمريكي ومجلس العموم البريطاني والجمعية العامة الفرنسية والبرلمان الألماني والاتحاد الأوربي هناك اليوم نقاش وتفكير عميق في هذه المعضلة، بعد الفضيحة التي فجرها سنودون، وهناك مشاريع قوانين تعد للتصدي لهذا الانحراف، وإعادة تعريف الأمن وحدوده، والمخابرات ووظيفتها، والحرية وقدسيتها، أما نحن في البلاد المتخلفة فنراقب ونتحسر، ومعظمنا لا يفتح فمه خوفا من المتاعب…

شارك المقال

شارك برأيك
التالي