رحيل عالِم المستقبليات

16/06/2014 - 21:29
رحيل عالِم المستقبليات

 ولأن تجربته الطويلة والثرية، طبعها التنوع، والشمولية، وبُعد النظر، ووسِمها السعي المنتظم إلى الاجتهاد والتجديد، فقد ظلت على الدوام موضوع تقدير واحترام كبيرين.

 تتنوع زوايا النظر إلى تجربة هذا العالِم الجليل، ويصعب تعداد مناقب هذا الرجل في عمود متواضع من هذا النوع..لكن، بالتأكيد تُحفّز مسيرته الغنية، العلمية والإنسانية، على استحضار ما قدّرناه لافتاً في عطائه الثري والمتواصل. فمن جهة أولى، مزاوجة خلفيته التعليمية بين التكوين العلمي [البيولوجيا والكيمياء]، والتخصص الاجتماعي والسياسي. ومن جهة ثانية، تنبّهه المبكر إلى التعددية اللغوية، وتحديداً اللغة الإنجليزية، حيث كانت له ريادة الالتحاق بالمؤسسات الأكاديمية الأمريكية [جامعة كورنل]، والبريطانية [كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية]. بيد أن المرحوم المهدي المنجرة، من جهة ثالثة، وعلى الرغم من تكوينه الأكاديمي الرفيع، والمسؤوليات العليات التي تحملها على الصعيد الدولي، ظل وفيا لقيمه الوطنية التي نهلها من أصوله العائلية، وعمق مجتمعه المغربي، وانتمائه العربي الإسلامي. والأهم، ظلت قيمه رافعةً وموجهة لدفاعه العلمي والأكاديمي في المنتديات والمحافل الدولية، وقد ضمّنها بشكل واضح في ما أنتجت بنات أفكاره من مؤلفات وكتب ذات صيت عالمي.

 فهكذا، نرى المرحوم المهدي المنجرة، وهو طالب ينخرط في الدفاع عن قضايا التحرر والاستقلال لدول «الشمال الإفريقي»، من خلال تردده وارتباطه بمكتب المغرب والجزائر في الأمم المتحدة، ورئاسته «رابطة الطلاب العرب» بداية خمسينيات القرن الماضي. وحين غادر أمريكا شبه مكره ـ بسبب رفضه التجنيد الإجباري المفروض على كل حاملي البطاقة الخضراء، فيجد نفسه مشاركا في الحرب الكورية ـ والتحاقه بكلية الاقتصاد في لندن [1954]، أعدّ أطروحته حول «جامعة الدول العربية» عام 1957، لاهتمامه بالبُعد العربي والقومي. وضمن المسار نفسه، سمحت المناصب الدولية السامية التي تقلدها المرحوم منذ بداية ستينيات القرن الماضي، بأن يُجدد دفاعه عن القضايا العادلة للأمم والشعوب، وأن يطوّر منظوراته للبدائل الممكنة للخروج من مآزق التخلف والتبعية وفك الارتباط مع مصادر الاستباحة للخارج. والواقع، شكلت تجربة وجوده في «منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم»  [اليونسكو] ـ كمدير عام لديوان «روني ماهو» [1962]، أو كمستشار خاص للمدير العام اللاحق لليونسكو سنتي 1975 و1976 ـ  أن يُعمق نظرته لقضية التعليم، بوصفه مفتاحا أساسيا للتطور واكتساب المعرفة. كما أن تأليف كتابه حول «نظام الأمم المتحدة» سنة 1973، أقنعه بخلفيات هذه المنظمة، وانحياز قيمها لخدمة التحالف المسيحي اليهودي، الأمر الذي يفسر النظرة النقدية، التي لم يتردد المرحوم المهدي المنجرة في التعبير عنها حُيال منظومة الأمم المتحدة بشكل عام.

 مثّل «المستقبل، كبُعد وأفق للتفكير، قضية محورية في اشتغال» المهدي المنجرة». ويمكن القول، دون تردد، إن المرحوم أول من لفت النظر إلى الاهتمام بالمستقبل في الدراسات الاجتماعية والسياسية في المغرب، وكان ضمن القلة ممن طوروا هذا العلم على الصعيد العالمي. لذلك، لم يكن غريباً أن يترأس «المنتدى العالمي للدراسات المستقبلية» عام 1981، وكان قبل ذلك أصغر عضو من حيث السن في «نادي روما» [1968]، وأحد ثلاثة مؤلفي التقرير الثاني للنادي نفسه سنة 1979، الذي حظي بإعجاب دولي كبير، وترجم إلى أكثر من اثنتي عشر لغة. ولأن المرحوم «المهدي المنجرة» زاوجَ، باقتدار، بين البحث النظري والأكاديمي والممارسة العملية، وشدد على الانتباه إلى الآفاق الجديدة للانتقال الحضاري، لاسيما في منطقة آسيا [اليابان تحديدا]، فقد حظي باحترام وتقدير عاليين، نال عبرهما «وسام الشمس المشرقة» لإمبراطور اليابان عام 1986. 

 لم يكن المهدي المنجرة يتردد في القول «أمضيت معظم عمري طائراً»، أي متنقلا بين مناطق المعمور، محاضراً، باحثاً، ومرشدا وخبيراً.. غير أن المهدي ظل مغربياً حتى النخاع، بل بقي من طينة المغاربة الأصيلين، متشبعاً بالقيم الوطنية الصادقة، مناضلاً عضويا، ملتزماً بالقضايا العادلة لوطنه وأمته العربية والإسلامية، والمشترك الإنساني.. وحتى في عزّ ضيق الحال السياسي لم تهن عزيمته، ولم تصمت كلمته، بل ظل جهورا بالحق، وما يراه الأولى والأحق بالقول. تشرفت شخصيا بمعرفته أول مرة عام 1978، وأنا طالب في الدراسات العليا، على هامش مناقشة أطروحة في رحاب كلية الحقوق بالرباط، وتوالت معرفتي به في ندوات ومحاضرات، وقرأت مجمل إصداراته. أما آخر لقاء مباشر لي به، فكان في مناقشة أطروحة دكتوراه في كلية الحقوق في الدار البيضاء سنة 2005 في ما أذكر، حيث تشرفت بعضوية هيئة المناقشة بمعيته.. وكان قد بدأ المرض يدبّ في جسمه.. لقد كان نقديا، عميقاً، وجريئاً كعادته.. إنه سي المهدي ..المغربي الأصيل.

شارك المقال