التجسيد النموذجي للسلطة

18 يونيو 2014 - 18:01

ومع هذه الابتسامة التي غلبتني، طفت إلى سطح الذاكرة تلك الحادثة التي مازلت أحس بوخزاتها المؤلمة هنا في صدري رغم مرور أكثر من عقدين على وقوعها، ورغم حدوث وقائع أخرى كثيرة مماثلة لها في إدارات أخرى. 

كنت واقفا في الكومسارية الشهيرة هنا في الدار البيضاء بـ»الدار الحمراء»، أنتظر دوري لأدفع ملفي للحصول على «لاكارت». تقدم رجل مسن إلى الشخص المكلف بتسلم الوثائق فمد إليه ملفه، تفحصه الموظف بسرعة، فنهض من مكانه صارخا في وجه الرجل بكلام قبيح دون أي اعتبار لسنه ولا للشيب الذي غزا رأسه قبل أن يرمي بوثائقه التي تطايرت في فضاء الغرفة، وأخذ ينهره ويطلب منه أن يغرب عن وجهه، دائما بتلك النبرة التهديدية والعبارات القبيحة. هذا كله لأن هذا الملف الذي تقدم به هذا الرجل المسن والأمي، كانت تنقصه وثيقة ما. 

وهو يجمع وثائقه التي تناثرت على أرضية البهو الفسيح كما تناثرت كرامته، رفع الرجل عينيه لبرهة فقط، كانت كافية لتظل نظرته موشومة في ذهني إلى اليوم.. نظرة المنكسر والمغلوب على أمره.. نظرة من يحس بـ»الحكرة» وهو بين مخالب وحش ليس له القدرة على مواجهة جبروته، ولا أحد قادر على نجدته.

في ذلك اليوم، تعرفت عن قرب، على وجه من وجوه الإدارة المغربية.. وجه قبيح لوحش يرى نفسه أقوى من الجميع، ولا ينظر إلى المغربي على أنه كائن يستحق الاحترام والتقدير ويجب السهر على خدمته ولو في الحدود الدنيا، بل إنه يرى نفسه الأجدر بأن تقدم له الخدمات.. في ذلك اليوم وقفت على تلذذ هذا الوحش بإهانة الكائن المغربي وتمريغ أنفه في التراب «الحكرة».

غمرتني تلك الابتسامة الساخرة وأنا أقرأ ما قاله بنكيران، لأنني أدرك أن الإدارة المغربية، رغم انحسار وتراجع هذه البثور التي أوردت واحدة منها، مازالت في عمقها لا تقيم للكائن المغربي وزنا كبيرا، سواء تعلق الأمر بالإدارات التابعة للداخلية أو للقطاعات الأخرى مثل الصحة، وتعتبر أي خدمة تقدمها له نوعا من «العطاء» تتكرم عليه به، ويتعين عليه أن يشكرها وأن يكون ممتنا لها.  فالإدارة المغربية، كما قال إدريس البصري، الذي يعتبر من أهم مهندسيها، هي «التعبير المادي للسلطة السياسية».. هي «الأداة» التي تتيح لها «تحقيق اختياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية»، قبل أن يوضح أكثر، في مقدمة بحثه لنيل دبلوم الدراسات العليا في بداية السبعينيات والذي يحمل عنوان «رجل السلطة» (l’agent de l’autorité)، عمق تفكيره بالقول إنها «التعبير النموذجي (typique) للسلطة الحاكمة»، أي أنها، بعبارة أخرى، مرآتها الصادقة والصافية.

صحيح أن هيغل كان يرى (وهو متأثر بالضعف الذي تتخبط فيه الدولة الجرمانية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر)، أن الإدارة هي تلك «اليد القوية القادرة على ترويض» ذلك الوحش المتمثل في الاختلالات والفوارق الاجتماعية التي كان يكرسها المجتمع الصناعي.

ولكن، وعلى عكس ما كان يراه الفيلسوف الألماني الكبير من ميل الحكومات إلى الاستبداد في ظل غياب «طبقة الموظفين»، فإن الإدارة هي التي تتحول في الأنظمة المتخلفة وغير الديمقراطية إلى أداة لتكريس هذا الاستبداد.

ففي هذه الأنظمة لا يجسد رجل الإدارة (الموظف) «العمق الأخلاقي للدولة» كما يعتقد هيغل، بل يصبح امتدادا فقط، للسلطة، وتجسيدا لممارساتها الاستبدادية، وهي ممارسات لا تلقي بالا كثيرا للكائن، فما بلك أن ترتقي إلى مرتبة التعامل معه بطريقة فيها ولو شيء يسير من تلك «القدسية» التي يتحدث عنها بنكيران والتي تغمرني بتلك الابتسامة الساخرة.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي