عُمَانُ .. التي أحببتُها

23 يونيو 2014 - 22:09

 ومنها كذلك «مزون»، كناية إلى «المزن»، أي السحاب والماء الغزير المتدفق. وقد تميزت فعلا بلادُ عُمان تاريخيا بكثرة المياه، وازدهار الزراعة، وما نجمَ عنهما من استقرار وحضارة. أما أصل اسم «عُمان»، فيرتبط بهجرة القبائل العربية من مكان في اليمن يطلق عليه «عُمَان». وقيل في رواية أخرى، سميت عُمان، نسبة إلى عُمان بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل كذلك إنها سميت بهذا الاسم نسبة إلى «عُمان بن سبأ بن يغثان بن إبراهيم». ويُسجل لعُمان أنها من أوائل الأمصار التي اعتنقت الإسلام طواعية في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. أما إسهام أهلها في نشر الإسلام والدفاع عن استقراره فكبير وثابت، حيث كان لهم باع في الفتوحات الإسلامية العظيمة برا وبحرا، في فارس والعراق وبلاد السند، وعدد من البلدان، علاوة على حملهم الإسلام معهم إلى شرق إفريقيا والصين والموانئ الإفريقية والأسيوية التي تعاملوا معها.

 المناسبة شرط، كما يُقال، وتخصيصي هذا العمود لعُمان، يعود إلى ما خالج صدري من حبّ وتقدير لهذا البلد، أرضا وشعبا وتاريخا. فقد زرت عُمان أربع مرات ضيفا مشاركا في مؤتمرات علمية، لكن حين التحقت بجامعتها أستاذا زائرا خلال الفصل الربيعي المنتهي قبل أيام [فبراير ـ يونيو]، وعشت داخل حرم جامعتها، ودرّست، وحاضرت، وتفاعلت مع طلابها، وتعرفت على بعض أهلها، وعاينت بعض معالم البناء في ربوعها، وخبرت سلوك أبنائها، ونمط تعاملهم، تولّد لدي حبّ خاص لهذا البلد.. حبّ صادق لأرض وشعب طيبين.

 تُذهلُك في عُمان طيبوبة الناس، ودماثة أخلاقهم: في رحاب الجامعة، وفي بيوت الله، وفي الفضاءات العمومية، ويشدّك تسامحهم، وتواضعهم في ملبسهم ومظاهر حياتهم..وتُلفت انتباهَك وَسطيتهم في الدنيا والدين. لذلك، لا يختلف اثنان في أن لسلطنة عُمان فُرادة في منطقة الخليج العربي برمتها.. فُرادة في النظر للشأن الداخلي، وفرادة في رؤية المحيط الإقليمي والدولي. والواقع أنها فُرادة نابعة من ضغط التاريخ وضرورات الجغرافيا. فعُمان مجتمع تاريخي بامتياز، وليست دولة أو مجتمعا حديث النشأة. لقد بسط العُمانيون حضورهم في أمصار ممتدة وشاسعة، وكونوا إمبراطوريات وصلت التخوم الإفريقية والأسيوية، وظلوا أسياد البحار لقرون.. ثم إن موقعهم الجغرافي استراتيجي وحيوي بامتياز.. فسلطنة عُمان تقع في أقصى الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وتُطل على ساحل يمتد على 3165 كيلومترا، يبدأ من أقصى الجنوب الشرقي حيث بحر العرب ومدخل المحيط الهندي، ممتدا إلى بحر عُمان حيث ينتهي عند مُسَندَم شمالا، ليُطل على مضيق هرمز الاستراتيجي حيث مدخل الخليج.. ومن هذا الموقع تسيطر سلطنة عُمان على أقدم وأهم الطرق التجارية البحرية في العالم، وهو الطريق البحري بين الخليج والمحيط الهندي.. لنتذكر فقط، أن سبعين في المائة من توريدات العالم من النفط تمر عبر مضيق هرمز، الذي يدخل ضمن سيادة سلطنة عُمان.

  التحقت بجامعة السلطان قابوس [ كلية الحقوق] أستاذا زائرا، بعد أن قضيت خمسا وثلاثين سنة أستاذا في بلدي.. والواقع أن للجامعة المغربية فضلا كبيرا  على الكثير من العُمانيين الذين نهلوا من معارفها وعلومها، وتخرجوا من رحابها، وأخذوا طريقهم المهنية بشهاداتها.. وأستطيع الجزم، بكثير من الافتخار، أن طابع الجامعة المغربية واضح في تكوين هؤلاء، الذين يقودون مؤسسات، ويتحملون مسئوليات مفصلية في بلدهم.. بل إنهم بدورهم، وقد تشرفت بالتعرف على الكثير منهم، ممتنون لجامعات المغرب، ومقدرون بصدق وحنين كبيرين للمغرب وأهله. 

 لكن في المقابل، تسير الجامعة العُمانية بخطى حثيثة وثابتة على طريق التطور والتقدم العلميين. وعلى الرغم من حداثة تأسيسها [1986]، تتوفر جامعة السلطان قابوس ـ وهي الجامعة الحكومية الوحيدة ـ على كل مقومات الجامعة العصرية، سواء من حيث نظام الاعتماد الأكاديمي، أو من خلال البنيات التحتية، أو على مستوى الموارد البشرية التدريسية والإدارية. ولعل أهم ما شدني في هذه الجامعة، توفرها على رؤية عصرية للتعليم وأهدافه وأبعاده، واعتمادها على نظام متكامل للتسيير والتدبير.. نظام ملزم للجميع، وخادِم للجميع، ومحترم من قبل الجميع..نظام يلزم الطالب ويُشركه، ويحفز الأستاذ ويُقنعه بالانخراط، ويلزم الإداري وينصفه ويرعاه.. إن الجامعة حين يضعف نظامها، أو يتهاوى لسبب أو لآخر، تتراجع قوتها، وتنكمش مخرجاتها.. فالنظام هو المرجعية، هو الرؤية التي تمد كل المكونات بروح الانخراط، والعمل، والتكامل في الانجاز.. ولعل هذا ما تحتاج إليه باستعجال جامعتنا المغربية لاسترداد أرصدة قوتها. 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي