القيود الخفية

27 يونيو 2014 - 22:33

 ولكن قبل أيام معدودة فقط، عثر لي رئيس الحكومة على واحدة أظن أنها تلامس تلك التي كنت أحلم بها. كنت دائما أحس فعلا أن أمي مثل «الثريا»، لا بل هي «الثريا» التي لا نرفع رؤوسنا لنراها سوى عندما ينقطع ضوءها أو يقل، فنسارع إلى تغيير المصابيح المعطلة فيها، ثم نعود لنسبح في نورها دون أن نلتفت إليها إلى حين حدوث العطل المقبل.

كانت أمي، ومازالت وستبقى إلى الأبد (كم أود ذلك حقا..)، مثل تلك الثريا السحرية التي تضيء من زيت إلهية منذ فتحت عيني على هذه الحياة.. كانت «ثريا» بدون زر تحكم، ولا تأبه قط بنصائح مكتب الكهرباء وتسخر من وصلاته الإشهارية التي تُوصي بالاقتصاد في الكهرباء.. فهي كانت، ومازالت، مثل شمس أسطورية تغمرني بنورها بسخاء لا أجد له وصفا.. كانت دائما تُضيء عتمات تيهي وأنا أبحث عن جواربي السوداء أو حذائي البني.. وتُذكّرني بضرورة ارتداء «التريكو»، أو على الأقل حمله في محفظتي، لأنها كانت ومازالت تعتبرني هشا وتخاف علي من البرد.. و… و… إلخ

ولكن هذه «الثريا» تظل رهينة البيت الذي تضيئه ومحيطه القريب. ولسنين عديدة كنت أجد صعوبة في تقبل هذا الوضع الغريب: أمي تقوم بكل شيء داخل البيت، ولا تستطيع القيام بكثير من الأمور خارجه، حتى تلك التي تبدو بسيطة.

فهذه السيدة الهشة التي تكون ربة في البيت، بالمعنى الإلهي للكلمة، تصير كائنا تائها عاجزا عندما يتعلق بوثيقة إدارية بسيطة مثلا أو معاملة بنكية تافهة، فهي لا تستطيع التوجه لوحدها إلى المقاطعة أو الكوميسارية أو الوكالة البنكية أو حتى وكالة البريد، ويلزم أن يصحبها أحد.. 

ويحز في نفسي وأنا أرى أن هذه «الربة» تتحول «رهينة» مقيدة بقيود غير مرئية تمنعها من الحركة لوحدها كلما تعلق الأمر بما وراء جدران بيتها.

الأمر ليس مرتبطا فقط، بكون حظها أراد لها أن لا تتلقى أي تعليم، مثل كثير من نساء بلدي، وخصوصا اللواتي رأين النور قبل الاستقلال أو في سنواته الأولى.

والأمر ليس له علاقة قط بكون والدتي أراد لها حظها أن ترى النور وتترعرع هناك بعيدا في قرية مرمية بين ثنايا جبال الأطلس الصغير، قبل أن يتم تزويجها وترافق والدي المرحوم إلى الدار البيضاء في نهاية الستينيات.

ولكن الأمر، في تقديري، يتعلق بشيء آخر أعمق مازالت له سطوته في مجتمعنا.. شيء يحاول هذا المجتمع إخفاؤه فقط، ويدعي أنه تخلص منه، ولكنه مترسخ في لا وعيه، ولا تكشف عنه، كما يقول سيغموند فرويد، سوى «زلات اللسان»، كما جرى مع رئيس الحكومة قبل أيام تحت قبة البرلمان الذي قال ببلاغة لا تخلو من مهارة البهلواني، إن مكان المرأة في نهاية المطاف هو البيت ومهمتها هي «إنارته».

فمازال ينظر إلى المرأة على أنها كائن قاصر، والرجل هو الجدير بأن يحدد لها مجال عيشها.. وهو البيت، والبيت فقط.. ولا شيء سواه، أما كل ما يقع خارجه، فهو ملكه لوحده.. وكل من تجرأ على اقتحامه فعليها أن تتحمل تبعات ذلك .. وعليها أن تبذل الجهد المضاعف لتكون جديرة بـ»اللعب» في ملعب الذكور.. وعليها أن تتحمل «الأضرار الجانبية» لجرأتها (من تحرش واعتداء …).

كانت الهيمنة على الخارج «مكتسبا تاريخيا» للذكور منذ تلك الحادثة الغامضة والغابرة في الزمن التي جعلت المرأة تجلس في البيت، والرجل يبقى في الخارج للصيد، ويصعب على بعض الذكور بعد كل هذه القرون الطويلة التخلي عنه، ولكن الخطير أن التشبث بهذا «المكتسب» يجعل مجتمعنا معوقا لا يسير سوى بساق واحد. ومن يسير بساق واحد لا يتقدم أبدا سواء كانت بيوته منارة أم لا.

شارك المقال

شارك برأيك
التالي