رمضان بين الأمس و اليوم

29 يونيو 2014 - 16:28

يمثل طرفه الأول أصحاب الموقف التقليدي تجاه شهر رمضان و الذي يتناغم مع المشاعر التلقائية التي يتفاعل معها الفرد في مجتمعنا بشكل عفوي مُرحباً بهذا الشهر الفضيل، و معدداً مناقبه الروحية ومشيداً بفضائله الأخلاقية التي يختزنها الإنسان في وعيه ولا وعيه وهو في ذلك لا يتردد في بث الهيام بها والحث عليها واسترجاعها والتذكير بها على طاولة الإفطار أو الصحور.

أما الطرف الثاني فيجسده المعسكر النوستالجي، إن صح التعبير، حيث الحنين لرمضان القديم غير رمضاننا اليوم. إنه معسكر التوجس مما هو قائم في الحاضر واستشعار الأيام الخوالي التي يظن أن رمضان كان يمس فيها أرواحهم ويفيض فيها على سلوكهم ثوباً من المشاعر الروحانية وبهجة التغيير في جو من البساطة والعفوية وذلك بشكل أعمق مما هو عليه الآن.

و بين هذين الموقفين تتأرجح مشاعر فئة ثالثة تجاه "رمضان الجديد"، فئة ليست ممن يدعون وصلاً برمضان القديم سوى ما تبقى من أطياف لذاكرة رمضان الحميمية في بيت الوالدين، مرتع الطفولة ومهد الصبا والشباب، و الذي يعيد المرء  بحنين إلى جماليات رمضان القديم،في الوقت الذي تنفر فيه روحه من بعض سلوكيات المجتمع في رمضان الجديد، إلا أن هذه الفئة الثالثة تقف مع ذلك متأقلمة مع رمضان العصري الذي تحاول بأن تطوعه كما طوعت حياتها مع معطيات العصر الجديد. 

فرمضان اليوم ، كما تراه هذه الفئة، هو جزء من منظومة عصرية عولمية تجارية استهلاكية تدور في رحاها محاولة الاستفادة منها بالقدر الذي يؤهلها للموازنة بين الروح والفكر والجسد، فبالرغم من أن هذه الفئة من الناس تؤمن بان للصوم  غايات إنسانية ومقاصد ربانية إلا أنهم يرون في أنفسهم  أبناء عصرهم يكتسون بلباسه ويستنشقون نسائمه حتى وإن غلب عليها التلوث بكل أنواعه وأشكاله.

الحنين إلى الماضي سمة كل زمان، لكن وكما يقول الشاعر: ربّ زمان ٍ بكيتَ منه.. فلما صرتَ في غيره بكيت عليه.. فكما يحن اليوم معسكر النوستالجيا إلى الماضي ويشتكي من الحاضر فالحالة ستتكرر مستقبلاً ليحن أبناء العصر القادم لهذا العصر في سيناريو قد يبدو عبثياً لنا اليوم، فالآباء يتذكرون عندما كانوا يشاهدون التلفاز على شاشة مسطحة وليست ثلاثية الأبعاد كما هي اليوم! يتذكرون عندما كانوا ينتظرون المسلسلات في أوقات معلومة لا حسب الطلب كما هي اليوم… يتذكرون عندما كانوا يأكلون طعامهم ساخنا من الفرن لا على شكل كبسولات الأطعمة اليوم.. يتذكرون كذلك عندما كانت تصلهم تهاني المعارف والأصدقاء برمضان من خلال رسائل و بطائق البريد الرقيقة لا على شكل رسائل الجوال السريعة كما نحن اليوم.

وبنفس الموثوقية، فان آباءنا كانوا يحنون إلى رمضان آبائهم، والذكريات تموت بموت أدلتها. 

نحن فعلاً نفتقد رمضان كثيراً بأجوائه العبقة وبروحانيته. نفتقد فرحة الناس بقدومه بدلاً من فرحتهم بإعلان رحيله… ولكن هذه سنة الحياة، إذا كنا نحن تغيرنا فلابد للزمن أن يتغير ولا شيء يبقى على حاله.. يمر العالم باستمرار بأمواج متلاطمة من التغيير، موجة تتبعها أخرى، لتستمر فرحة رمضان ،و كل عام  و رمضان  بخير وسعادة.. فأهلا بك يا رمضان و تقبل الله صيام الجميع. 

   

 

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك
التالي