ذلك التمثال الذي حوله رجال «داعش» إلى أثر بعد عين، في إشارة لا تخطئها العين إلى ما ينتظر كل هذه الثقافة والحضارة الغنيين رغم كل شيء:
السيف أصدق أنباء من الكتب*** في حده الحد بين الجد واللعب
في الحقيقة لم أكن أُعير اهتماما، لما كنت في الإعدادي، لشرح الأستاذ وهو يُجاهد لكي ينقل إلينا «المعنى المدرسي» لهذه القصيدة بنبرة ملحمية، بقدر ما كان يستهويني الإيقاع الجميل في هذا البيت بالذات وقدرة أبي تمام المُبهرة على اللعب على الخيط الدقيق لرنات الكلمات مثل بهلواني خرافي.
نعم، لم يكن يستهويني المعنى الحرفي لهذا البيت، ولا حتى للأبيات التي تليه، والتي لم أعد أتذكر منها سوى بضع كلمات، وكنت بشكل مبهم أجد صعوبة في الربط بين أمرين بديا لي دائما غير متناسبين.. بين القدرة الكبيرة لهذا الشاعر في اللعب بالكلمات مثل ساحر بارع يخرج من كمّ معطفه حمامة تلو الأخرى، من جهة، وإقراره بأن السيف الصلد أقوى وأصدق من الإبداع الفكري والأدبي والفني من جهة ثانية.
ولكن تعلمت فيما بعد أن هناك سياقات تُؤطر هذا الإبداع دون أن تخنقه وتقتله. وسياق تمجيد أبي تمام للسيف مرتبط بحادثة نجاح جيش الخليفة العباسي «المعتصم» في دخول بلدة «عمورية» رغم أن المنجمين، (أي أولئك الذين لا يؤمنون، مثل «داعش» وأمثالها، باستخدام العقل ويفضلون الارتكان إلى الغيب)، أوصوا بعدم القيام بأي عمل عسكري ضد المدنية لأنه مآله سيكون، حسب حساباتهم المبنية على تأويلات غيبية، الفشل.
ولكن يبدو أن تنظيم «داعش» أبطل هذا السياق واحتفظ من هذا البيت الشهير بنصه الحرفي فقط، بل وتوسع فيه إلى أبعد الحدود، وجعل السيف والقتل الهدف الأسمى في الحياة… سواء أكان هذا القتل ماديا، ويتمثل في سفك دماء الناس دون وجه حق، أو رمزيا، ويتجلى بالأساس في قتل كل ما له صلة بالإبداع والفكر والعلم.. أي كل ما له علاقة بالحضارة.
إن الإقدام على تحطيم تمثال «أبي تمام» في الموصل وقبله تدمير رموز ثقافية ظلت صامدة لقرون في شمال مالي من طرف القاعدة، وقبل هذا وذاك تدمير طالبان لتماثيل بوذية في أفغانستان، كلها مؤشرات تُنم عن ذهنية ضعيفة تخشى الإبداع وما يمثله من حركية وسير نحو الأمام، وتفضل إخفاء ضعفها وعجزها في ثنايا الجمود وأحضان الماضي. إنها ذهنية العاجز التي تفضل السير عكس نهر الحياة والنظر إلى الخلف عوض التطلع إلى الأفق الرحب، وهنا تكمن خطورتها في تقديري، لأن كل من يعتبر النظر إلى الخلف والانغماس في الماضي أسمى الغايات لا يقيم وزنا للحياة، ومن لا يأبه بالحياة يحاول دائما التخلص من عجزه بقتلها.
لا شك أن «داعش»، رغم كل ما تثير من لغط وكل ما تخلف من دمار، مازالت لا تشكل أغلبية، ظاهريا على الأقل لحد الآن، ولكن ما أخشاه أن نكون في وضع شبيه بما قاله الشاعر السوري محمد الماغوط مرة: الشجرة قصيرة، لكن الظل طويل.. الغروب قريب!