ولعل هذا هو حال أمريكا وكل الذين يخافون أن تصيبهم اليد الكريهة للإرهاب. ومثلما يقوم الخائف بحركات وردود أفعال تُنم عن إحساسه بالتيه وقلة الحيلة، قامت أمريكا مؤخرا بتطبيق إجراءات أمنية جديدة تعتبرها مشددة، ولكن لا تفيد في العمق في شيء، ولا تشكل درعا حصينا يحول دون نفاذ الإرهابيين منه، بل قد يكون لها رد فعل عكسي وستزيد من حنق العديد من أبناء المنطقة العربية والإسلامية على أمريكا التي لا تتمتع أصلا بسمعة طيبة بينهم.
فلا التفتيش الدقيق في ثنايا الملابس الداخلية للمسافر، ولا تمحيص الأجهزة الإلكترونية كفيل ببلوغ الدرجة الصفر من الخطر، لأن الإرهابي لا يضع رغبته التدميرية في ثبّانه، ولا يحشو بها بالضرورة هاتفه المحمول ولا لوحته السحرية، بل يحملها في صدره، ومن سوء حظ الأمريكان وغيرهم أن البشرية لم تفلح لحد الآن في صناعة جهاز أو آلة لها القدرة على النفاذ إلى الصدور وكشف ما فيها من غل وكراهية أو حب وود.
إن قلة الحيلة التي تتخبط فيها كل البلدان التي يهددها الإرهاب، وهي كثيرة، نابعة أساسا من كونها تواجه عدوا منفلتا. فالمشكلة مع الإرهاب، كما قال ضابط فرنسي رفيع مرة، أنه «عدو خفي يعرف مكانك، ولكنك أنت لا تعرف موقعه بالضبط». إنه عدو شبح يعطي الإحساس بأنه في كل مكان.. عدو يراك ولا تراه حقا، وإن كانت بعض مظاهره وتمظهراته تلوح هنا وهناك. وهذا الأمر يخلق لا محالة نوعا من الإحساس بالعجز يصعب تحمل وخزاته من طرف قوى عظمى وجبارة مثل أمريكا وغيرها، ولعل هذا الشعور المزعج هو الذي يدفع واشنطن (ولا شك أن بلدانا أخرى عديدة ستسير على خطاها) إلى التوجس من كل شيء ويجعلها ترى الصياد في ريش الطريدة.. وتعتبر كل المسافرين الذين يقصدون ترابها «إرهابيين محتملين»، وإن كانوا في الحقيقة «ضحايا محتملين».
إن تكثيف الإجراءات الأمنية بطريقة يجعل الإحساس بالإهانة يتسرب إلى صدور الناس، لن يدفع خطر الإرهاب عن أمريكا أو أي بلد آخر، بل سيزيد فقط، من درجة الحنق والاستياء منها، حتى لا أقول درجة كرهها. ولعل هذا الأمر من شأنه أن يزيد من جاذبية التنظيمات الإرهابية في عيون البعض، لأنها ستبدو لهم أفضل وسيلة للتحول من «طريدة محتملة» إلى «صياد محتمل» يعلن عن حضوره بإخافة الآخر. وهذه بالضبط هي أمنية الإرهاب والإرهابيين، أي تدمير الآخر، ليس بالتفجيرات والقنابل الآدمية- فهذه وسيلة فقط- بل بزرع فيروس الخوف فيه وجعله يسري في كل ثنايا كيانه. وبالتالي يتحول هذا الآخر إلى طريدة تحمل في ثناياها صيادها القاتل.